في ذكرى ميلاده.. وصية أنور وجدي التي أربكت أسرته وأثبتت ذكاءه حتى آخر لحظة
يوافق اليوم ذكرى ميلاد الفنان أنور وجدي، أحد أبرز نجوم السينما المصرية في القرن العشرين، الذي لم يكن مجرد ممثل، بل جمع بين التمثيل والإخراج والإنتاج وكتابة السيناريو، ليصبح أحد الأعمدة الرئيسية في العصر الذهبي للسينما المصرية والعربية.
ولد أنور وجدي في 11 أكتوبر عام 1904، في وقت كانت فيه السينما المصرية لا تزال في مرحلة التكوين، إلا أنه استطاع بموهبته وذكائه أن يفرض نفسه سريعاً، ويصنع مجده الفني خطوة بخطوة، حتى صار أحد رموز النجومية والشهرة في العالم العربي.
من المسرح إلى الشاشة الكبيرة
بدأ أنور وجدي مشواره الفني من خشبة المسرح، حيث التحق بفرقة رمسيس بقيادة الفنان يوسف وهبي، وهناك صقل موهبته وتعلم أصول الأداء المسرحي.
وانتقل بعدها إلى السينما، وشارك في عددٍ من الأدوار الصغيرة في أفلام مثل الدفاع عام 1935 وغادة الصحراء عام 1939، قبل أن تبدأ موهبته الحقيقية في الظهور مطلع الأربعينيات، ليصبح خلال سنوات قليلة أحد أهم وجوه السينما المصرية.
نجم الشباك الأول في الأربعينيات والخمسينيات
في عقدي الأربعينيات والخمسينيات، لمع نجم أنور وجدي ليصبح نجم الشباك الأول في مصر والعالم العربي.
وقدم خلال تلك المرحلة سلسلة من الأفلام التي أصبحت علامات في تاريخ السينما، من أبرزها: غزل البنات عام 1949 أمام ليلى مراد ونجيب الريحاني، وقلبي دليلي عام 1947، وأمير الانتقام عام 1950، وريا وسكينة عام 1953، إضافة إلى أعمال شهيرة أخرى مثل حبيب الروح والآنسة ماما وليلى بنت الأغنياء.
وجمع أنور وجدي في أعماله بين الطابع الغنائي والدرامي والكوميدي، فاستطاع أن يجذب مختلف فئات الجمهور، ويحقق نجاحاً تجارياً وفنياً في الوقت نفسه.
رائد الإنتاج التجاري الذكي
لم يقتصر طموح أنور وجدي على التمثيل، بل خاض تجربة الإنتاج والإخراج وكتابة السيناريو، وأسس شركة إنتاج خاصة به في الأربعينيات، قدم من خلالها عدداً من أنجح الأفلام في تاريخ السينما المصرية.
وتميز وجدي بذكاء فني وقدرة على قراءة ذوق الجمهور، فكان من أوائل من قدّموا أفلامًا تجارية تحقق الإيرادات وتحافظ في الوقت ذاته على مستوى فني محترم.
كما ساهم في اكتشاف عدد من الوجوه الجديدة، أبرزهم الطفلة المعجزة فيروز، التي قدم معها سلسلة أفلام شهيرة ما زالت تعرض حتى اليوم، واستطاع من خلالها إبراز موهبتها الفريدة في سن صغيرة جداً.
قصة حب وزواج فني جمعه بليلى مراد
ارتبط اسم أنور وجدي بالفنانة الكبيرة ليلى مراد فنياً وعاطفياً، حيث شكلاً معاً واحداً من أنجح الثنائيات في تاريخ السينما المصرية.
بدأت قصة حبهما أثناء تصوير فيلم ليلى بنت الفقراء، حيث طلب وجدي يدها للزواج أثناء تصوير أحد المشاهد، ثم أعلن نبأ الزواج في مشهد الزفة بنهاية الفيلم نفسه.
واستمر زواجهما نحو سبع سنوات، قدما خلالها مجموعة من أنجح الأفلام التي أحبها الجمهور، مثل حبيب الروح والآنسة ماما، إلى أن انتهت علاقتهما بالانفصال الفني والعاطفي معاً.
إسهامات فنية خالدة في تاريخ السينما
شارك أنور وجدي في 70 فيلماً، وأنتجت شركته حوالي 20 فيلماً، اعتبرها النقاد علامات بارزة ساهمت في تطوير السينما المصرية والعربية.
كان معروفاً ببصمته الواضحة في كل عمل يقدمه، سواء أمام الكاميرا أو خلفها، وامتلك قدرة خاصة على اكتشاف المواهب وصقلها.
ويعد من القلائل الذين جمعوا بين الفن والتجارة بنجاح، فحول السينما إلى صناعة حقيقية قائمة على الرؤية الفنية والوعي بالجمهور.
الوصية قبل الرحيل والخلافات حول الميراث
في سنواته الأخيرة، عانى أنور وجدي من تدهور صحي بسبب مرض الكلى المزمن، ودخل أحد المستشفيات قبل سفره للعلاج في السويد.
وشعر بقلق من احتمال حدوث نزاعات بين ورثته على ثروته، فطلب حضورهم جميعًا إلى المستشفى، من بينهم والدته وأخواته وزوجته الأخيرة الفنانة ليلى فوزي.
وخلال هذا اللقاء، فاجأهم بقوله: "افترضوا أني مت من يومين.. ما الذي يخص كل واحد منكم من التركة؟"، لتنشب بينهم مناقشة حادة حول الأموال والعقارات، قبل أن يضحك وجدي قائلاً: "أهو أنا كده اتطمنت.. كل واحد عارف حقه".
وفي اليوم التالي، حرر توكيلاً عاماً لزوج أخته محمود شافعي، وطلب من الجميع التوقيع عليه، معبراً عن ثقته الكاملة به وقدرته على التوفيق بين الورثة ورعاية زوجته بعد وفاته.
سافر بعدها إلى السويد لاستكمال العلاج، لكنه لم يعد إلا جثماناً، حيث استقبل محمود شافعي جثمانه في المطار في مشهدٍ مؤثر يعكس وفاءه له.
أثارت وفاته كثيراً من الشائعات حول حجم ثروته والخلافات بين زوجته وأسرته، إلا أن ليلى فوزي خرجت لاحقاً لتؤكد أن الحزن على رحيله جمعهم أكثر مما فرق بينهم، وأن ما أشيع لم يكن سوى مبالغات صحفية.
صراع مع المرض ونهاية مبكرة
رغم النجاحات الكبيرة التي حققها أنور وجدي، فإن حياته لم تكن سهلة، فقد عاش سنواته الأخيرة في صراع مع مرض الكلى المزمن، وسافر أكثر من مرة إلى أوروبا للعلاج، ومع كل رحلة كان يعود ليكمل ما بدأه، وفي 14 مايو عام 1955 رحل عن عالمنا عن عمر يناهز 51 عاماً.

