في ذكرى محمود عبد العزيز.. حين مر الساحر من هنا!
في ذكرى محمود عبد العزيز…
ثمة نجوم يُضيئون الشاشة، وثمة فنّان واحد ظلّ، طوال حياته، يشعلها من الداخل.
لم يُشبه أحدًا، ولم يقلّد أحدًا.
كان له وجه يشبه الناس جميعًا، وصوت يشبه الحكايات القديمة، التي نسمعها ونصدقها، لأننا نحتاج إلى تصديقها.
الجمهور لم يُحب محمود عبد العزيز لأنه نجم، بل لأنه مرآة:
فيه ما يُضحكنا، وفيه ما يُبكينا، وفيه تلك المسافة بين القلب والعقل، حيث يعيش الفن في أقصى حالاته.
نستعيده كل عام، لأننا حين نفتقده، نفتقد شيئًا من ذكائنا العاطفي، من حسّنا بالحياة، من شعورنا أن الفن يمكن أن يكون عميقًا دون أن يعلو صوته، مؤلمًا دون أن يصرخ، حيًّا… حتى بعد الرحيل
في حياة الفن، تمر وجوه كثيرة. بعضها يلمع، بعضها يختفي، وبعضها يُقيم… فينا.
ومحمود عبد العزيز من القليلين الذين لم يمرّوا علينا، بل دخلوا إلى قلوبنا من أول مشهد، وظلوا هناك دون استئذان.
ولد في الإسكندرية، لكن ملامحه لم تكن محصورة بجغرافيا، كانت تشبه كل بيت، وكل شارع، وكل ملامح نحملها في الذاكرة.
لم يكن وسيمًا فقط، بل كان يعرف كيف يُشعِل الوسامة بالعقل، وخفة الظل بالحكمة، والجدية بالحب.
منذ بدايته، لم يكن يركض وراء الكاميرا، بل ينتظرها وهي تلتفت إليه، تعرفه، وتمنحه المساحة التي يملؤها بالحياة.
في “العذراء والشعر الأبيض”، نضج مبكرًا أمام الشاشة، كما لو كان يحمل عمرًا آخر غير عمره الحقيقي.
وفي “الكيف”، أخرج لنا فلسفة كاملة من قلب الكوميديا، فكتب أفيهات ستظل حيّة، لا لأنها طريفة، بل لأنها عميقة من حيث لا ندري.
من ينسى قوله:
“إحنا اللي بنطلع القرش من بذر العنب، إحنا اللي طلعنا الدود من قلب العمود”؟
عبث ظاهر… وصدق داخلي، يُشبه تركيبة محمود عبد العزيز تمامًا.
لكنه لم يكن مجرد وجه في الكوميديا أو صوت في الطرافة، بل حاملًا لدراما الإنسان الكبرى، كما في “رأفت الهجان”، حيث لم يؤدِّ دورًا وطنيًا، بل صنع وعيًا وطنيًا، بلا شعارات، بلا ضجيج.
كان عميلًا في ظاهر الشخصية، لكنه كان ابنًا حقيقيًا للوطن في جوهر الأداء.
لم يكن يتصنّع “الهيبة”، بل كان الهيبة نفسها في “جبل الحلال”.
لم يكن بحاجة لأن يرفع حاجبه ليخيف أحدًا، كان يكفي أن يصمت.
وفي “محمود المصري”، لمس القصة الكلاسيكية للصعود والكفاح، لكنه صبغها بروحه الخاصة، فأصبح العمل يخصّه وحده، لا يُقارن.
حتى في لحظاته العادية، كان يخلق بهجةً تشبه المطر الأول.
لم يكن يقلد أحدًا، ولم يستعير طريقة من غيره. كان “محمود عبد العزيز”، كما هو، بضحكته، بخياله، بتكوينه الذي يصعب شرحه، ويستحيل نسخه.
كان يرى في كل شخصية تفاصيل الحياة، حتى في لحظات الجنون، الألم، أو الهروب.
في “الساحر”، تقاطع الموهبة مع الهشاشة، والفن مع الندم، والخيال مع الحقيقة.
وفي ذلك الفيلم بالذات، بدا وكأنه لا يمثّل، بل يعيش… ولعلّه فعل.
الذين عملوا معه، قالوا إن الكاميرا كانت تحبّه.
لكنّ الحقيقة أن الجمهور أحبه أكثر. لأنه لم يتعالَ، ولم يدّعِ، ولم يطلب التصفيق، بل قدّم فنه كأنّه رسالة شخصية، تصل إلى كل مشاهد وكأنها تخصّه.
من “الكيت كات” إلى “إبراهيم الأبيض”، من خفة “الكيف” إلى وجع “رأفت الهجان”، ومن هدوء الصمت إلى عصف الانفعال…
ترك لنا مساحات نعود إليها، لا لنشاهد فقط، بل لنتذكّر من نحن، وماذا يمكن للفن أن يكون.
في ذكرى رحيله، لا نبكيه، بل نحكيه.
كما يُحكى عن الجدعان، وعن الكبار، وعن الناس اللي سابوا فينا علامة، وسابوا لنا “شخصيات” نعيش بيها، ونشاور عليها كل ما الحياة تعكّر، ونقول
هكذا يكون الفن حين يمرّ عبر القلب، وهكذا يبقى الإنسان حين يسكن الذاكرة الجميلة.