شهدت صناعة السينما خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في طبيعة مشاهدة الجمهور للأفلام، مع الانتشار الواسع للمنصات الرقمية التي أصبحت منافذ رئيسية لعرض الأعمال السينمائية، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مستقبل دور العرض ومدى تأثرها بتغير عادات المشاهدة.
وأثار تقارب المدة الزمنية بين عرض الأفلام في السينمات وطرحها عبر المنصات الرقمية جدلًا حول تأثير ذلك على إيرادات شباك التذاكر، خاصة مع اتجاه بعض الجمهور إلى انتظار وصول الأفلام إلى المنصات بدلًا من شراء تذاكر السينما، في الوقت الذي يرى فيه آخرون أن تجربة المشاهدة داخل دور العرض تظل مختلفة ولا يمكن الاستغناء عنها.
وفي تصريحات خاصة لـ"وشوشة"، كشف عدد من صناع السينما والنقاد رؤيتهم لتأثير المنصات الرقمية على دور العرض، ومدى تغير عادات المشاهدة لدى الجمهور، وانعكاس سرعة انتقال الأفلام إلى المنصات على إيرادات شباك التذاكر، إلى جانب توقعاتهم لمستقبل مواسم العرض السينمائي.
المخرج يحيى إسماعيل: سرعة عرض الأعمال تقلل من فترة تفاعل الجمهور معها
قال المخرج يحيى إسماعيل إن سرعة دورة عرض الأفلام والمسلسلات أصبحت من أبرز التغيرات التي تشهدها الصناعة، موضحًا أن العمل الفني لم يعد يحصل على الوقت الكافي لتحقيق الزخم والتفاعل الجماهيري، في ظل تتابع الأعمال الجديدة خلال فترات زمنية قصيرة.
وأضاف أن المسلسل أو الفيلم، حتى وإن حقق نجاحًا كبيرًا، يستمر الحديث عنه لفترة محدودة قد لا تتجاوز شهرًا، قبل أن ينشغل الجمهور بعمل جديد، وهو ما يقلل من فرص استمرار تأثير الأعمال الفنية.
وأكد يحيى إسماعيل ضرورة تنظيم دورة عرض الأفلام والمسلسلات، بحيث يحصل كل عمل على الوقت المناسب لعرضه وتحقيق التفاعل المطلوب، مشيرًا إلى أن تتابع الأعمال بصورة سريعة لا يمنح الجمهور فرصة كافية لاستيعاب كل تجربة فنية ومناقشتها.
المنتجة آلاء لاشين: المنصات الرقمية ليست منافسًا لدور العرض السينمائي
قالت المنتجة آلاء لاشين إن انتشار المنصات الرقمية يمثل تطورًا طبيعيًا لوسائل عرض المحتوى المرئي، مشيرة إلى أن هذه المنصات أصبحت تستقبل أعمالًا يتم إنتاجها خصيصًا للعرض من خلالها، إلى جانب الأفلام التي تنتقل إليها بعد انتهاء عرضها السينمائي.
وأضافت أن بعض المنصات تتعاقد على الحصول على حق العرض الأول للأفلام بمجرد انتهاء فترة عرضها داخل دور السينما، مؤكدة أن ذلك لا يجعلها منافسًا مباشرًا لدور العرض، خاصة أن الجمهور لا يذهب إلى السينما لمشاهدة الفيلم فقط، وإنما يعتبرها وسيلة للخروج والتنزه والاستمتاع بأجواء مختلفة عن المشاهدة المنزلية.
وأوضحت أن انتقال الأفلام إلى المنصات بعد انتهاء دورتها السينمائية لا يؤثر على إيرادات شباك التذاكر، لأن الاتفاقات تتم وفقًا لمواعيد محددة، وبعد تراجع الإقبال الجماهيري على الفيلم داخل السينمات، لافتة إلى أن المنصة تحصل على حق العرض الأول بمجرد رفع الفيلم من دور العرض.
الناقد الفني رامي المتولي: طبيعة الفيلم تحدد موعد انتقاله إلى المنصات الرقمية
قال الناقد الفني رامي المتولي إنه لا يعتقد أن انتقال الأفلام إلى المنصات الرقمية يؤثر على نجاح الفيلم نفسه، وإن كان من الممكن أن ينعكس على إيرادات شباك التذاكر في بعض الحالات، لكنه لا يمثل تأثيرًا عامًا على جميع الأعمال السينمائية.
وأضاف أن طبيعة الفيلم وحجم إنتاجه يلعبان دورًا أساسيًا في تحديد مدة عرضه السينمائي وموعد انتقاله إلى المنصات، موضحًا أن الأفلام ذات الإنتاج الضخم لا تنتقل سريعًا من دور العرض، بينما قد تصل الأفلام التجارية متوسطة المستوى، التي تعتمد على مواسم الأعياد والإجازات، إلى المنصات خلال فترة أقصر.
وأوضح أن انتقال الفيلم إلى المنصات الرقمية أو شاشات التلفزيون يمثل جزءًا من العملية التجارية لصناعة السينما، إذ يمكن للعمل تحقيق إيرادات من خلال شباك التذاكر، ثم الحصول على عوائد إضافية من بيعه للمنصات والقنوات التلفزيونية.
وأشار إلى أنه لا يتوقع أن يتسبب انتشار المنصات في عزوف الجمهور عن الذهاب إلى السينما، مؤكدًا أن طبيعة الأعمال السينمائية متنوعة، ولا تقتصر على الأفلام التجارية فقط، وإنما تشمل أفلامًا ذات طبيعة فنية مختلفة تحقق حضورًا ونجاحًا لدى جمهورها، وهو ما يجعل تعميم تجربة نوع واحد من الأفلام على مستقبل دور العرض أمرًا غير دقيق.
الناقد الفني أحمد السماحي: سرعة انتقال الأفلام للمنصات تهدد إيرادات شباك التذاكر
قال الناقد الفني أحمد السماحي إن سرعة انتقال الأفلام من دور العرض السينمائي إلى المنصات الرقمية تؤثر بشكل مباشر على إيرادات شباك التذاكر، موضحًا أن ذلك قد يقلل من حماس الجمهور للذهاب إلى السينما، خاصة أن بعض المشاهدين يفضلون الانتظار بضعة أسابيع لمشاهدة الفيلم في المنزل دون تحمل تكلفة إضافية كبيرة.
وأضاف أن الأزمة لا ترتبط بوجود المنصات الرقمية في حد ذاتها، باعتبارها أصبحت واقعًا أساسيًا في صناعة الترفيه، وإنما تكمن في تقليص الفترة الزمنية الفاصلة بين العرض السينمائي والرقمي، موضحًا أن معرفة الجمهور بموعد إتاحة الفيلم على المنصة خلال فترة قصيرة قد تدفع البعض إلى تأجيل مشاهدته في السينما، وهو ما يهدد الإيرادات، خاصة بالنسبة للأفلام متوسطة الميزانية.
وأكد أن دور العرض السينمائي تحتاج إلى فترة حصرية كافية تمنح كل فيلم فرصته الحقيقية للمنافسة وتحقيق الإيرادات، قبل انتقاله إلى الشاشات الصغيرة والمنصات الرقمية.
الناقد الفني عماد يسري: المنتج لا يخسر من انتقال الأفلام إلى المنصات الرقمية
قال الناقد الفني عماد يسري إن انتقال الأفلام إلى المنصات الرقمية بعد فترة قصيرة من عرضها في دور السينما لا يؤثر بالضرورة على جميع الأعمال، موضحًا أن حجم التأثير يرتبط بمدى نجاح الفيلم وقدرته على جذب الجمهور والاستمرار في تحقيق الإيرادات.
وأضاف أن بعض الأفلام ينتهي تأثيرها الجماهيري بعد شهر تقريبًا من طرحها، بينما توجد أعمال أخرى تستمر في جذب الانتباه لفترات أطول، لافتًا إلى أن الأفلام التي تحقق إيرادات كبيرة تظل محدودة مقارنة بإجمالي الأعمال المطروحة.
وأوضح أن الخسارة الأكبر من انتقال الأفلام إلى المنصات قد تقع على أصحاب دور العرض السينمائي، وليس المنتجين، نظرًا لامتلاك المنتج أكثر من منفذ لتحقيق العائد المادي، من خلال بيع حقوق العرض للمنصات الرقمية والقنوات التلفزيونية، وهو ما يمنحه مصادر متنوعة للإيرادات.
وأشار إلى أن المنصات الرقمية أصبحت عنصرًا أساسيًا في صناعة المحتوى خلال الوقت الحالي، خاصة مع تزايد اعتماد الجمهور عليها، مؤكدًا أنها تمثل إحدى أسرع الوسائل للوصول إلى المشاهدين.
المخرج عادل الأعصر: تجربة السينما لا يمكن أن تعوضها المنصات الرقمية
قال المخرج عادل الأعصر إن انتقال الأفلام إلى المنصات الرقمية لن يؤثر على رغبة الجمهور في مشاهدة الأعمال داخل دور العرض، موضحًا أن تجربة السينما تختلف تمامًا عن المشاهدة المنزلية من حيث حجم الصورة وقوة الإحساس بالأحداث.
وأضاف أن مشاهدة الفيلم داخل السينما تمنح الجمهور شعورًا أكبر بالاندماج مع الأحداث، قائلًا: "لن تؤثر المنصات على مشاهدة الفيلم داخل دور العرض، لأن في السينما الصورة أكبر والإحساس بالفيلم أعلى، المشاهد بيحس إنه داخل الأحداث".
وأشار إلى أن سرعة انتقال الأفلام من دور العرض إلى المنصات الرقمية قد تؤثر بالفعل على إيرادات شباك التذاكر، مؤكدًا في الوقت نفسه أهمية المنصات في عرض المسلسلات والمساهمة في زيادة حركة الإنتاج الفني.
المنتج أحمد الزواوي: المنصات أصبحت الشاشة الحقيقية للجمهور
قال المنتج أحمد الزواوي إن المنصات الرقمية أصبحت تمثل الشاشة الأساسية للجمهور خلال الفترة الحالية، ولها تأثير كبير على صناعة السينما والدراما، بعدما تحولت إلى سوق رئيسي لتوزيع الأعمال الفنية وأصبحت أقرب إلى المشاهد من الشاشات التقليدية.
وأكد أن المنصات أحدثت تغييرًا واضحًا في خريطة عرض المحتوى، قائلًا: "المنصات أصبحت هي الشاشة الحقيقية وأثرت تأثير كبير على صناعة السينما والدراما، وهي السوق الحقيقي للتوزيع وأقرب إلى المشاهد من الشاشة الكبيرة أو الشاشة الصغيرة".
وأشار إلى أن انتشار المنصات الرقمية قد يكون أحد الأسباب الرئيسية وراء تراجع إيرادات شباك التذاكر، في ظل التغيرات التي طرأت على سلوك الجمهور وتراجع أعداد الفئات التي تتجه إلى دور السينما خلال الوقت الحالي.