من الوقار والفصحى إلى التريند والعفوية.. هل تغيرت معايير اختيار المذيع الناجح؟
شهدت مهنة التقديم التلفزيوني تحولات كبيرة على مدار العقود الماضية، فلم تعد الصورة التقليدية للمذيع الذي يلتزم باللغة العربية الفصحى، ويعتمد على الوقار والهدوء والظهور الرسمي أمام الكاميرا، هي النموذج الوحيد للحضور الإعلامي، بعدما فرضت تطورات الإعلام والمنصات الرقمية أساليب جديدة في التواصل مع الجمهور وجذب انتباهه.
وبين جيل ارتبط اسمه بالثقافة والرصانة والإعداد المهني الدقيق، وجيل أصبح أكثر اعتمادًا على العفوية والتفاعل والانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تبرز تساؤلات حول المعايير التي تحدد نجاح المذيع، ومدى تأثير الشهرة والتريند في اختيارات المؤسسات الإعلامية، وما إذا كانت هذه التحولات قد أثرت على قيمة المذيع ومكانته لدى الجمهور.
وفي هذا السياق، يرصد لكم موقع «وشوشة» آراء عدد من النقاد والمتخصصين في الإعلام حول الفروق بين أساليب التقديم قديمًا وحديثًا، وأبرز التغيرات التي طرأت على لغة المذيع وحضوره وقدرته على إدارة الحوار، إلى جانب المعايير التي أصبحت تحكم اختياره ونجاحه في الوقت الحالي.
أحمد سعد الدين.. المذيع الكلاسيكي تراجع أمام نموذج المذيع النجم
يرى الناقد أحمد سعد الدين أن التقديم التلفزيوني مر بعدة مراحل منذ انطلاق التليفزيون المصري عام 1960، موضحًا أن المذيع في البدايات كان يعتمد على الوقار والالتزام بالمظهر الرسمي، مع الحرص على إتقان اللغة العربية الفصحى والظهور بملامح جادة تعكس طبيعة العمل الإعلامي في ذلك الوقت.
وأوضح أن هذه السمات استمرت بدرجات متفاوتة حتى بدأت ملامح جديدة في الظهور خلال فترة الثمانينيات، مع جيل من المذيعين والمذيعات، من بينهم سلمى الشماع وفريدة الزمر ودرية شرف الدين، حيث أصبحت هناك مساحة أكبر للحركة والتفاعل، خاصة في البرامج التي تُقدم خارج الاستوديوهات.
وأشار سعد الدين إلى أن طبيعة التقديم كانت تختلف أيضًا وفقًا لنوع البرنامج، فمذيع نشرات الأخبار كان مطالبًا بالالتزام والجدية، بينما أتاحت برامج المنوعات والربط التلفزيوني مساحة أكبر للابتسام والتفاعل، ولكن في إطار محدد يتناسب مع طبيعة الشاشة.
وأضاف أن دخول قنوات وبرامج من خارج مصر إلى المشهد الإعلامي، خاصة مع تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، ساهم في تغيير صورة المذيع التقليدي، وظهرت أنماط أكثر عفوية، إلى جانب نموذج المذيع الذي يعتمد على الحضور القوي ورفع نبرة الصوت وإظهار نفسه باعتباره نجمًا رئيسيًا في المشهد.
ولفت إلى أن بعض هذه الأنماط استطاعت جذب الإعلانات والمشاهدين، وهو ما ساهم، من وجهة نظره، في تراجع حضور المذيع المثقف الذي يعتمد على الهدوء والرصانة، معتبرًا أن قيمة المذيع شهدت تغيرًا واضحًا مقارنة بالأجيال السابقة.
حنان أبو ضياء..إعداد المذيع قديمًا كان أكثر دقة
من جانبها، ترى الناقدة حنان أبو ضياء أن المذيعين في الأجيال السابقة كانوا يخضعون لمراحل إعداد وتأهيل قبل الظهور على الشاشة أو الوقوف أمام ميكروفون الإذاعة، وهو ما ساهم في ظهور أسماء تركت بصمة واضحة في تاريخ الإعلام المصري.
وأشارت إلى عدد من الإعلاميين الذين ارتبطت أسماؤهم بتاريخ الإذاعة والتليفزيون، من بينهم ليلى رشدي وأماني ناشد ومحمود سلطان وأحمد سمير وحمدي قنديل وزينب سويدان وتماضر توفيق وبابا شارو، مؤكدة أن إعداد هؤلاء لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل شمل الاهتمام باللغة والثقافة والقدرة على التقديم.
وأكدت أبو ضياء أن الحصول على شهادة من كلية الإعلام لا يعني بالضرورة امتلاك الشخص مقومات النجاح في التقديم التلفزيوني أو الإذاعي، موضحة أن الموهبة والثقافة والقدرة على التواصل عوامل أساسية في تحديد مدى صلاحية الشخص للعمل أمام الجمهور.
وفي المقابل، انتقدت اعتماد بعض الاختيارات الإعلامية الحديثة على الشهرة والانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن نجاح شخص في تقديم محتوى عبر البودكاست أو تحقيقه انتشارًا بسبب تصريحات مثيرة للجدل قد يفتح أمامه الباب للظهور على الشاشة، دون أن يكون ذلك دليلًا كافيًا على امتلاكه أدوات المذيع المحترف.
وأضافت أن السعي وراء التريند وتقديم محتوى يثير الجدل أصبح، في بعض الحالات، وسيلة لجذب الجمهور، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المعايير التي تحكم اختيار المذيعين في الوقت الحالي.
أحمد السماحي.. العفوية والتفاعل أصبحا من أدوات النجاح
وفي قراءة أكثر تفصيلًا للتغيرات التي شهدتها المهنة، أوضح الناقد أحمد السماحي أن أساليب التقديم الإعلامي تطورت بصورة كبيرة من الماضي إلى الحاضر، سواء فيما يتعلق باللغة المستخدمة أو الحضور أمام الكاميرا أو إدارة الحوار أو القدرة على جذب الجمهور، نتيجة تطور وسائل الإعلام وظهور المنصات الرقمية وتغير اهتمامات المشاهدين.
اللغة بين الفصحى والعامية
وأوضح السماحي أن المذيع قديمًا كان يعتمد بصورة أساسية على اللغة العربية الفصحى، مع الالتزام بالقواعد اللغوية والنطق السليم، إلى جانب الرسمية والرصانة في طريقة الحديث والمظهر.
أما في الوقت الحالي، فأصبحت أساليب اللغة أكثر تنوعًا، إذ يعتمد بعض المذيعين على العامية، بينما يمزج آخرون بينها وبين الفصحى وفقًا لطبيعة البرنامج والجمهور المستهدف، مع استمرار أهمية سلامة اللغة ووضوح التعبير باعتبارهما من مقومات النجاح.
الحضور أمام الكاميرا وإدارة الحوار
وأشار إلى أن الحضور الإعلامي في الماضي كان يرتكز على الهدوء والوقار والمظهر الرسمي والحركات المحسوبة، بينما أصبح أكثر تنوعًا وعفوية في الوقت الحالي، مع زيادة الاهتمام بلغة الجسد والتواصل البصري ونبرة الصوت والقدرة على التعبير عن الشخصية بصورة طبيعية ومؤثرة.
وفيما يتعلق بإدارة الحوار، أوضح السماحي أن كثيرًا من البرامج القديمة كانت تعتمد على تنظيم واضح للأسئلة وتسلسلها، مع منح الضيف مساحة محددة للإجابة، بينما أصبح التفاعل والمرونة وسرعة البديهة والقدرة على مناقشة الإجابات والتعامل مع المواقف المفاجئة من الأدوات المهمة للمذيع الحديث، بشرط الحفاظ على الموضوعية واحترام الضيف.
جذب الجمهور في عصر المنصات الرقمية
ولفت السماحي إلى أن المنافسة في الوقت الحالي أصبحت أكثر صعوبة، بعدما لم يعد التليفزيون والإذاعة المصدرين الوحيدين لمتابعة المحتوى الإعلامي، مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
وبالتالي، أصبح المذيع مطالبًا بجذب الانتباه وتقديم محتوى مميز والتفاعل مع الجمهور، دون التفريط في جودة المضمون أو المصداقية، خاصة في ظل سرعة انتشار المحتوى وتعدد الخيارات المتاحة أمام المشاهدين.
هل تغيرت معايير اختيار المذيع الناجح؟
أكد أحمد السماحي أن معايير اختيار المذيع الناجح تغيرت بالفعل، لكنها لم تتبدل بالكامل، إذ لا تزال الثقافة العامة وسلامة اللغة والثقة بالنفس وحسن الاستماع والمصداقية والقدرة على التواصل من الصفات الأساسية التي يحتاج إليها أي مذيع.
وفي المقابل، ظهرت متطلبات إضافية فرضها التطور الإعلامي، من بينها القدرة على التعامل مع المنصات الرقمية، والتكيف مع أنماط الجمهور المختلفة، وسرعة البديهة والمرونة، إلى جانب تقديم محتوى قادر على جذب الانتباه دون الإخلال بالدقة والمهنية.
وبينما يرى أحمد سعد الدين أن انتشار نموذج المذيع النجم ساهم في تراجع حضور المذيع المثقف والهادئ، تلفت حنان أبو ضياء إلى أهمية التأهيل والثقافة والموهبة في مواجهة الاعتماد على الشهرة والتريند، فيما يوضح أحمد السماحي أن التطور في أساليب التقديم لا يلغي ضرورة الالتزام بالمهنية والمصداقية.
وتكشف هذه الآراء عن اختلاف وجهات النظر بشأن تقييم التقديم التلفزيوني الحديث، لكنها تلتقي عند أهمية امتلاك المذيع أدوات حقيقية تمكنه من التواصل مع الجمهور وتقديم محتوى مؤثر.
وفي النهاية، لم يعد نجاح المذيع مرتبطًا بالوقار والمظهر الرسمي وحدهما، كما لا يمكن اختزاله في عدد المتابعين أو القدرة على إثارة الجدل، بل أصبح قائمًا على تحقيق التوازن بين الحضور الجذاب والثقافة والموهبة وجودة الحوار والمصداقية، وهي عناصر تظل ضرورية للحفاظ على ثقة الجمهور مهما تغيرت أشكال الإعلام وأساليبه.



