من خلف الميكروفون إلى قلب التاريخ.. حكاية أصوات ارتبطت بنصر أكتوبر

وشوشة

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية صنعت واحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث، لكنها كانت أيضًا لحظة فارقة في تاريخ الإعلام، بعدما أصبح الميكروفون وسيلة أساسية لنقل أخبار المعركة إلى ملايين المصريين الذين كانوا يتابعون التطورات لحظة بلحظة.

وفي وقت لم تكن فيه الهواتف المحمولة أو مواقع التواصل الاجتماعي أو القنوات الفضائية موجودة، كانت الإذاعة المصرية والتليفزيون يمثلان المصدر الرئيسي للمعلومات، وكان صوت المذيع هو الوسيط بين المواطن وما يحدث على الجبهة.

ومن هنا، ارتبطت حرب أكتوبر بمجموعة من الأصوات الإذاعية التي لم تعد مجرد أصوات مهنية تقدم نشرات الأخبار والبيانات، وإنما تحولت مع مرور السنوات إلى جزء من الذاكرة المصرية نفسها، فأصبح سماع تسجيلاتها القديمة كافيًا لاستعادة أجواء تلك الأيام.

صالح مهران.. صوت ارتبط ببيانات أكتوبر

عند الحديث عن أصوات حرب أكتوبر، يبرز اسم الإذاعي صالح مهران، الذي ارتبط ببيانات الحرب العسكرية، حتى أصبح يُعرف لاحقًا بلقب "مذيع أكتوبر".

كان مهران من الأصوات التي نقلت البيانات العسكرية إلى المصريين عبر الإذاعة، في وقت كان المواطنون ينتظرون فيه بفارغ الصبر أي معلومة جديدة عن سير العمليات على الجبهة.

ولم تكن مهمة المذيع وقتها مجرد قراءة نص أمام الميكروفون، فالبيان العسكري كان يحمل أهمية كبيرة، وكل كلمة فيه كانت تصل إلى ملايين المصريين الذين كانوا يعيشون حالة من الترقب والقلق.

الإذاعي  صالح مهران
الإذاعي  صالح مهران

ومع مرور السنوات، أصبح صوت صالح مهران جزءًا من الأرشيف الصوتي لحرب أكتوبر، وعندما تعاد تسجيلات البيانات في ذكرى النصر، يعود صوته معها ليذكر المصريين باللحظة التي كانوا ينتظرون فيها أخبار الجبهة من جهاز الراديو.

صبري سلامة.. صوت إعلان أخبار النصر

ومن الأصوات التي ارتبطت كذلك بتغطية الحرب الإذاعي صبري سلامة، الذي تشير مصادر صحفية إلى أنه كان أول من أذاع بيان النصر عبر الإذاعة المصرية، معلنًا تطورات العبور ونجاح القوات المصرية في الوصول إلى الضفة الشرقية ورفع العلم المصري.

وهنا تختلف أهمية صوته عن أصوات أخرى ارتبطت ببداية الحرب أو بالبيانات العسكرية؛ فصبري سلامة ارتبط في الذاكرة بلحظة وصول أخبار الانتصار إلى المصريين.

الإذاعي صبري سلامة
الإذاعي صبري سلامة

فالمواطن الذي كان يجلس أمام الراديو منتظرًا أي خبر من الجبهة، وجد نفسه يستمع إلى بيان يحمل أخبارًا غيرت حالة القلق والترقب إلى فرحة بالنصر.

وهكذا أصبح صوت المذيع جزءًا من اللحظة التاريخية نفسها، وليس مجرد ناقل لها.

حمدي الكنيسي.. المراسل الذي اقترب من قلب المعركة

أما الإذاعي حمدي الكنيسي، فكان له دور مختلف، إذ ارتبط اسمه بتجربة المراسل الحربي ونقل تفاصيل الحرب من مناطق قريبة من الأحداث.

والفرق هنا أن المراسل الحربي لم يكن يكتفي بقراءة البيانات الرسمية، وإنما كان يحاول نقل صورة أقرب لما يحدث على أرض الواقع، وإيصال أجواء الجبهة إلى المستمعين الذين يتابعون الحرب من منازلهم.

الإذاعي حمدي الكنيسي
الإذاعي حمدي الكنيسي

وكان على الكنيسي وغيره من المراسلين التعامل مع ظروف بالغة الصعوبة، إلى جانب الالتزام بطبيعة المعلومات التي يمكن بثها في ظل العمليات العسكرية.

ومع مرور الوقت، أصبح اسم حمدي الكنيسي مرتبطًا في الذاكرة المصرية بفكرة المراسل الذي نقل الحرب من الجبهة إلى الجمهور.

صفية المهندس.. الإذاعة التي لم تتوقف

وعلى الجانب الآخر، تظهر تجربة الإذاعية الكبيرة صفية المهندس، التي عُرفت بلقب "أم الإذاعيين"، باعتبارها واحدة من أبرز الشخصيات في تاريخ الإذاعة المصرية.

وترتبط قصتها بحرب أكتوبر من زاوية مختلفة؛ فقد ذكرت مصادر صحفية أنها كانت من الذين حرصوا على البقاء داخل مبنى الإذاعة خلال أيام الحرب، في ظل إدراك أهمية استمرار البث وعدم انقطاع التواصل مع المواطنين.

الإذاعية صفية المهندس
الإذاعية صفية المهندس

ففي ذلك الوقت، لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة ترفيهية أو مصدر للأخبار، وإنما كانت مؤسسة حيوية يعتمد عليها المواطنون في معرفة تطورات الأحداث.

ومن هنا، فإن وجود صفية المهندس داخل مبنى الإذاعة خلال تلك الفترة يعكس جانبًا آخر من قصة الإعلام في زمن الحرب؛ جانب الاستعداد المستمر والتعامل مع البث باعتباره مسؤولية لا تتوقف.

آمال فهمي.. عندما أصبح الميكروفون حلقة وصل بين الجندي وأسرته

بعيدًا عن البيانات العسكرية، كان للإذاعة دور إنساني مهم خلال فترة الحرب، وهو الدور الذي ارتبط باسم الإذاعية آمال فهمي.

فقد ارتبط اسمها ببرنامج "على الناصية"، كما شاركت في برنامج "رسالة إلى جندي"، الذي كان يحمل رسائل من الأسر المصرية إلى أبنائها الموجودين في القوات المسلحة.

 الإذاعية آمال فهمي 
 الإذاعية آمال فهمي 

فخلف كل جندي كان هناك بيت ينتظر، وأم تتابع الأخبار، وأسرة تريد أن تطمئن على ابنها. وكان الميكروفون في هذه الحالة لا ينقل خبرًا عسكريًا، وإنما يحمل رسالة شخصية ومشاعر أسرة إلى جندي بعيد عنها.

وهذا النوع من المحتوى جعل الإذاعة قريبة من الناس، وأكد أن الإعلام في أوقات الحروب لا يقتصر دوره على نقل المعارك، وإنما يمكن أن يكون مساحة للتواصل الإنساني.

نجوى أبو النجا.. صوت من أصوات الإذاعة في زمن الحرب

ومن الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الإذاعة المصرية في تلك الفترة أيضًا الإذاعية نجوى أبو النجا، التي كانت من الأصوات المعروفة في إذاعة "صوت العرب"، وشاركت في العمل الإذاعي والحوار مع الشخصيات المختلفة.

ويمثل حضور نجوى أبو النجا جانبًا مهمًا من الصورة الكاملة للإعلام خلال الحرب؛ فالمشهد لم يكن قائمًا فقط على البيانات العسكرية والمراسلين الحربيين، وإنما كان هناك أيضًا عمل إذاعي متواصل يحافظ على حضور الإذاعة باعتبارها وسيلة الاتصال الرئيسية مع الجمهور.

الإذاعية نجوي أبو النجا
الإذاعية نجوي أبو النجا

أحمد سعيد.. ظل النكسة الذي سبق أصوات العبور

وعند الحديث عن أصوات الحرب في الإعلام المصري، لا يمكن تجاهل اسم الإعلامي أحمد سعيد، مؤسس إذاعة "صوت العرب" وأحد أشهر الأصوات الإذاعية في العالم العربي.

لكن من المهم التمييز بين دوره ودور مذيعي حرب أكتوبر؛ فقد ارتبط أحمد سعيد بصورة أساسية بتغطية أحداث مرحلة سابقة، وعلى رأسها حرب يونيو 1967، ولذلك لا يصح تقديمه باعتباره أحد "مذيعي أكتوبر".

الإذاعي أحمد سعيد
الإذاعي أحمد سعيد

 

ومع ذلك، فإن وجود اسمه في سياق هذا التقرير مهم لفهم التحول الذي شهده الإعلام المصري بين النكسة والعبور.

فالتجربة الإعلامية التي سبقت أكتوبر، وما صاحبها من انتقادات مرتبطة بتغطية حرب 1967، أصبحت جزءًا من الخلفية التي جاء بعدها إعلام حرب أكتوبر، في ظل اهتمام أكبر بالتعامل مع البيانات العسكرية وطبيعة المعلومات التي تصل إلى الجمهور.

من صوت البيان إلى صوت الإنسان

صالح مهران ارتبط بالبيانات العسكرية، وصبري سلامة ارتبط بإعلان أخبار النصر، وحمدي الكنيسي نقل تجربة المراسل الحربي، بينما مثلت صفية المهندس نموذجًا للاستمرار في العمل الإذاعي خلال ظروف الحرب، وقدمت آمال فهمي الجانب الإنساني من خلال رسائل الأسر إلى الجنود، في حين يعكس حضور نجوى أبو النجا صورة العمل الإذاعي المتواصل، بينما يمثل أحمد سعيد مرحلة إعلامية سابقة مهمة لفهم السياق الذي سبق أكتوبر.

وبذلك لم تكن قصة الإعلام في حرب أكتوبر قصة مذيع واحد أو صوت واحد، وإنما مجموعة من الأصوات التي أدت أدوارًا مختلفة، واجتمعت في النهاية على نقل واحدة من أهم لحظات التاريخ المصري إلى الجمهور.

لماذا بقيت هذه الأصوات في الذاكرة؟

ربما تكمن أهمية هذه الأصوات في أن المصريين لم يسمعوها في ظروف عادية.

فالمستمع لم يكن يتابع برنامجًا إذاعيًا عابرًا، وإنما كان ينتظر خبرًا يتعلق بمصير وطن كامل، وكان كل بيان يحمل معه حالة من القلق أو الأمل أو الفرح.

ولهذا، أصبح صوت المذيع مرتبطًا بالمشاعر التي عاشها الجمهور في تلك الأيام.

وبعد مرور أكثر من خمسة عقود، لم تعد تلك الأصوات مجرد تسجيلات محفوظة في أرشيف الإذاعة، وإنما أصبحت وثائق صوتية قادرة على إعادة الأجيال الجديدة إلى زمن لم تعشه.

من راديو أكتوبر إلى منصات 2026

المعلومة التي كان المواطن ينتظرها أمام جهاز الراديو يمكن أن تصل الآن إلى هاتفه خلال ثوانٍ، وأصبح المواطن قادرًا على متابعة عشرات المصادر في الوقت نفسه.

لكن رغم هذا التطور، تظل أصوات مذيعي أكتوبر تحمل قيمة مختلفة؛ لأنها مرتبطة بلحظة لم يكن فيها أمام المصريين كل هذا الكم من المصادر.

كان هناك ميكروفون واحد، وبيان ينتظره الملايين، وصوت مذيع يتحول في لحظة إلى جزء من ذاكرة وطن بأكمله.

ومن هنا، تصبح مهمة الإعلام اليوم ليست فقط إعادة بث هذه التسجيلات في ذكرى السادس من أكتوبر، وإنما تقديمها للأجيال الجديدة باعتبارها جزءًا من تاريخ الإعلام المصري، وشرح الظروف التي عمل فيها هؤلاء المذيعون، وكيف استطاع الصوت الإذاعي في زمن الحرب أن يؤدي دورًا يتجاوز نقل الخبر إلى المشاركة في تشكيل الذاكرة الوطنية.

أصوات رحلت.. لكن صداها ما زال حاضرًا

رحل عدد كبير من هؤلاء المذيعين والإذاعيين، وتغيرت أجيال الإعلام، لكن الأصوات التي ارتبطت بأكتوبر لم تختفِ.

فكلما جاءت ذكرى السادس من أكتوبر، عادت التسجيلات القديمة، وعادت معها أصوات صالح مهران وصبري سلامة وغيرهما، لتفتح نافذة على زمن كانت فيه الإذاعة هي الوسيلة التي تجمع المصريين حول خبر واحد.

وفي النهاية، فإن قصة أكتوبر لم تُحفظ فقط في كتب التاريخ أو الصور والوثائق، وإنما حُفظت أيضًا في أصوات المذيعين الذين حملوا أخبار المعركة من الجبهة إلى البيوت، ونقلوا للمصريين لحظات الترقب والقلق ثم أخبار الانتصار.

وبعد 53 عامًا من النصر، ومع اختلاف كل شيء تقريبًا في صناعة الإعلام، من أدوات البث إلى سرعة انتشار الأخبار وطريقة تفاعل الجمهور معها، يظل السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الإعلام المصري في عصر المنصات الرقمية والسوشيال ميديا أن يحافظ على القوة نفسها التي امتلكتها أصوات مذيعي أكتوبر، وأن يعيد تقديم حكايات هؤلاء المذيعين وشهاداتهم للأجيال الجديدة بطريقة تجعلها لا تعرف فقط أسماءهم وما قالوه أمام الميكروفون، وإنما تفهم أيضًا ماذا كان يعني أن يجلس ملايين المصريين في لحظة واحدة أمام أجهزة الراديو، ينتظرون صوتًا واحدًا ليخبرهم ماذا يحدث على الجبهة، ثم يحمل إليهم في النهاية خبرًا أصبح بعد أكثر من نصف قرن جزءًا من الذاكرة المصرية؟

تم نسخ الرابط