بين نوستالجيا الماضي والتدخل التكنولوجي.. نقاد يكشفون تطور تقديم بطولات حرب أكتوبر بالسينما

وشوشة

ارتبطت انتصارات حرب أكتوبر في وجدان الجمهور المصري والعربي بمجموعة من الأعمال السينمائية التي نجحت في تقديم البطولات العسكرية والقصص الإنسانية المرتبطة بالحرب، لتتحول بعض من هذه الأفلام إلى أعمال خالدة يحرص الجمهور على مشاهدتها بالتزامن مع ذكرى انتصارات أكتوبر من كل عام.

ومع تطور صناعة السينما وظهور تقنيات جديدة في التصوير والمؤثرات البصرية، قُدمت أعمالًا حديثة تناولت البطولات العسكرية من زوايا مختلفة، واستفادت من التطور التكنولوجي في تقديم مشاهد المعارك، وهو ما جعل هناك اختلافًا في شكل المعالجة بين أفلام الماضي والأعمال الحديثة.


يرصد لكم "وشوشة" في التقرير التالي، آراء عدد من النقاد حول الفارق بين أفلام حرب أكتوبر التي قدمتها السينما المصرية في فترات سابقة، والأعمال الحديثة التي تناولت البطولات العسكرية، وأسباب استمرار ارتباط الجمهور ببعض هذه الأفلام حتى اليوم.

أفلام ظلت عالقة بذاكرة الجمهور

 

قال الناقد خالد شاهين إن فيلمي “الطريق إلى إيلات” و”الرصاصة لا تزال في جيبي” وغيرها من الأفلام التي أرشفت لحرب أكتوبر، ارتبط بها الجمهور بشكل كبير لسنوات طويلة، موضحًا أن هذه الأعمال تُعرض منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

وأشار إلى أن هذه الأفلام حققت انتشارًا واسعًا لأنها أُنتجت قبل عصر الفضائيات، عندما كان التلفزيون المصري يضم القناة الأولى والثانية والثالثة، وكانت هذه الأعمال تعرض عليه بشكل متكرر كل عام، وهو ما ساهم في ارتباط الجمهور بها.

وأضاف أن أفلام هذه الفترة رصدت أهم ما حدث في حرب أكتوبر، موضحًا أن “الرصاصة لا تزال في جيبي” تناول فكرة العبور وخط بارليف وكيف عبر الجنود المصريون القناة ودمروا هذا الخط، بينما تناول “الطريق إلى إيلات” واقعة شهيرة تتمثل في تدمير ميناء إيلات، والتي تعد من أهم العمليات التي نفذها الضباط المصريون.

“الممر” ونجاح منقطع النظير

وأوضح شاهين أنه لا يريد أن يظلم الأفلام الجديدة، مشيرًا إلى أن هناك أعمالًا لم تحقق المستوى نفسه من الجودة، مثل فيلم “يوم الكرامة”، رغم مشاركة مجموعة من النجوم به، بينهم أحمد عز ومحمد كريم وياسر جلال ومحمد رياض، وإخراج علي عبد الخالق، لكنه لم يحقق النجاح الكبير.

وعن فيلم “الممر”، أكد أنه حقق نجاحًا كبيرًا عند عرضه تلفزيونيًا، متذكرًا عرض الفيلم عبر قناة ON E، قائلًا إن الشوارع كانت شبه خالية وقتها، والجمهور تفاعل معه بشكل كبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع الإشادة بجودته.

وأشار إلى أن الفارق الأساسي يتمثل في الارتباط الشخصي بهذه الأحداث، لافتًا إلى وجود أعمال أخرى لم تحقق النجاح نفسه، مثل فيلم “أسد سيناء”، الذي عرض عام 2014 وشارك في بطولته مجموعة من الشباب، بينهم رامي وحيد، ورغم تكلفته الكبيرة وتصويره في أماكن حقيقية، فإنه لم يحقق الانتشار المتوقع.

وضرب شاهين مثالًا بالأعمال المرتبطة بالمناسبات، موضحًا أن هناك عشرات الأعمال التي تناولت الأعياد، لكن بعض الأغاني مثل “ليلة العيد” لأم كلثوم و”أهلا بالعيد” لصفاء أبو السعود ظلت الأكثر انتشارًا وارتباطًا بذاكرة الجمهور.

التكنولوجيا تُقدم صورة مختلفة

 

قال الناقد عماد يسري إن هناك اختلافًا بين ما قدمته السينما عن النكسة، والأفلام التي تناولت الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية وصولًا إلى انتصار حرب أكتوبر.

وأوضح أن الأفلام القديمة اعتمدت بشكل أكبر على القصص الإنسانية للمشاركين في الحرب من الضباط والجنود، إلى جانب القصص الاجتماعية، وذلك لتعويض نقص مشاهد المعارك، خاصة أن الإمكانيات المتاحة وقتها لم تكن تسمح بتصوير المعارك بالشكل الموجود حاليًا.

“الممر” وجذب الجيل الجديد

 

وأشار يسري إلى أن التطور التكنولوجي والخدع البصرية ومعرفة طرق تصوير المعارك ساهمت في تقديم صورة مختلفة، وهو ما ظهر بشكل واضح في فيلم “الممر”، الذي استعان بالتقنيات الحديثة والخدع البصرية في مشاهد المعارك.

وأكد أن طريقة السرد نفسها اختلفت لتناسب الأجيال الجديدة، موضحًا أن الفارق لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا، وإنما أيضًا بطريقة سرد القصة والزوايا التي يتم تناول الأحداث من خلالها، بما يجعل الفيلم أكثر جذبًا للشباب.

وأضاف أن هذه الأعمال تظل مرتبطة بالمستوى الوطني والتضحيات التي قدمها أبطال الحرب، إلى جانب تقديم القصص الإنسانية بأسلوب مختلف يناسب طبيعة الجمهور في الوقت الحالي.

تقديم بطولات حقيقية للجمهور

 

قال الناقد أحمد سعد الدين إن حرب أكتوبر شهدت تقديم مجموعة من الأفلام، موضحًا أن تصوير فيلم “الرصاصة لا تزال في جيبي” بدأ خلال فترة الحرب وفض الاشتباك الأول، مشيرًا إلى أنه خلال الفترة من 1973 وحتى 1979 تقريبًا، قدمت السينما نحو ستة أفلام تناولت الحرب، من بينها "الرصاصة لا تزال في جيبي" و ”الوفاء العظيم” و”العمر لحظة”.

وأوضح أن هذه الأفلام كانت روائية وتتناول الحرب من خلال مجموعة من المشاهد الحربية، وكانت موجهة إلى جمهور السبعينيات، الذي كان يتابع مشاهد البطولات والجيش وسيناء.

وأضاف أنه منذ أواخر السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات، بدأت السينما في تقديم أفلام مستوحاة من ملفات المخابرات العامة، ومنها “الصعود إلى الهاوية”، ثم “إعدام ميت” و”حكايات الغريب” و”الطريق إلى إيلات”.

قصص حقيقية صنعت مصداقية 

 

وأشار سعد الدين إلى أن أفلام “الطريق إلى إيلات” و”إعدام ميت” و”الصعود إلى الهاوية” اعتمدت على قصص حقيقية لبطولات المخابرات والقوات البحرية وغيرها، موضحًا أن وجود قصة حقيقية يمنح العمل مصداقية كبيرة، إلى جانب الاهتمام الكبير الذي يتم بذله في تقديمها، وهو ما جعل الجمهور يحب هذه الأعمال حتى الآن.

وأوضح أنه منذ عام 1999 أو 2000 وحتى عام 2019، لم تقدم السينما أفلامًا عن بطولات الجيش بالشكل نفسه، حتى ظهر فيلم “الممر”، مؤكدًا أن الفيلم لم يكن قائمًا على بطولات المخابرات أو على قصة بطولة حقيقية بالمعنى نفسه، لكنه نجح في جذب الجمهور.

وأرجع ذلك إلى الفترة الطويلة التي غابت خلالها هذه النوعية من الأفلام، إلى جانب ظهور جيل جديد لم يعاصر الحرب ولم يشاهد عددًا كبيرًا من الأعمال التي تناولتها.

ولفت إلى أن “الممر” نجح في جذب هذا الجيل والتفاعل معه بشكل كبير، موضحًا أن الفيلم عرض في عيد الفطر، وهي فترة عادة ما تشهد طرح الأفلام الكوميدية بهدف تحقيق الإيرادات، ورغم ذلك استمر الفيلم وحقق إيرادات وصلت إلى نحو 74 مليون جنيه، وهو رقم كبير في ذلك الوقت.

واختتم سعد الدين حديثه بالتأكيد على أن الجمهور بطبيعته يحب مشاهدة الأفلام القديمة التي ترتبط بالنوستالجيا، سواء من أفلام السبعينيات أو الستينيات أو الخمسينيات، مشيرًا إلى أن ذلك لا يمنع وجود أفلام جيدة من مختلف الفترات، يظل الجمهور محبًا لمشاهدتها.

 

السينما القديمة وتأثير الحرب على المصريين

 

قال الناقد أحمد السماحي إن هناك فرقًا جوهريًا في الرؤية السينمائية بين أفلام حرب أكتوبر التي ظهرت في السبعينات، مثل “الرصاصة لا تزال في جيبي” و”الوفاء العظيم” و”بدور” و”أبناء الصمت” و”حتى آخر العمر”، وبين أفلام الجيل الحديث مثل “الممر”، موضحًا أن الفارق لا يتعلق فقط بالإمكانيات التقنية، وإنما بما أرادت السينما أن تقوله من خلال هذه الأعمال.

وأوضح أن أفلام عامي 1974 و1975 جاءت بعد النصر مباشرة، وكانت السينما المصرية في السبعينات ترى الحرب من خلال الإنسان، مشيرًا إلى أن “الرصاصة لا تزال في جيبي” لم تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد معارك وعبور وتحطيم خط بارليف، وإنما قدمت شخصية جندي مصري خرج من تجربة 1967 محملًا بالهزيمة والانكسار، ثم استعاد كرامته مع النصر، لتتداخل قصة محمد وفاطمة مع قصة مصر نفسها.

وأضاف أن الأمر نفسه ظهر في “الوفاء العظيم”، الذي استخدم الحرب إطارًا لقصة حب وعلاقة إنسانية بين الضابط والفتاة التي يحبها، بينما تقاطعت الحرب في “بدور” مع الحالة المصرية والشخصيات الشعبية.

وأشار السماحي إلى أن أفلام السبعينات كانت تطرح سؤالًا أساسيًا وهو: “ماذا فعلت الحرب بالإنسان المصري؟”، وليس فقط كيف انتصر الجيش، موضحًا أن “بدور” انطلق من الحالة الشعبية وقصة الحب والكوميديا والشخصيات اليومية إلى مشاهد الحرب والجبهة، بينما تداخلت المعركة في “الوفاء العظيم” مع الحب والوفاء والتضحية.

وأكد أن السينما وقتها كانت تقدم للجمهور صورة للجندي الذي يحارب على الجبهة باعتباره ابنًا لهذا المجتمع، وأن الحرب تؤثر في أمه وحبيبته وأصدقائه وبيته، ولذلك بدت بعض أفلام السبعينات وكأنها أفلام اجتماعية ورومانسية دخلت الحرب إلى عالمها، وليست أفلامًا حربية خالصة.

 

“الممر” وتطور التكنولوجيا

 

وعن فيلم “الممر”، أوضح الناقد أحمد السماحي أن صناع الفيلم اختاروا وضع العسكري نفسه في قلب الأحداث، لافتًا إلى أن الفيلم لا يتناول حرب أكتوبر، وإنما يتناول قوات الصاعقة المصرية خلال حرب الاستنزاف التي بدأت بعد 1967.

وأشار إلى أن هذا الاختيار نقل الفيلم من حكاية إنسان يعيش الحرب، كما ظهر في عدد من أفلام السبعينات، إلى حكاية مقاتلين يخوضون الحرب، وهو ما أحدث اختلافًا كبيرًا في البناء الدرامي.

وأوضح أن “الممر” قدم الوحدة العسكرية والتدريب والقيادة والتخطيط وتنفيذ العمليات والاشتباكات والأسلحة والمعارك وروح المجموعة العسكرية، في مساحة الأكشن والمواجهة المباشرة بشكل أكبر من أفلام مثل “بدور” و”أبناء الصمت”.

ولفت إلى أن فيلم “الطريق إلى إيلات” كان مختلفًا نسبيًا، لأنه تناول العملية نفسها، وهي تدمير المدمرة “إيلات” الإسرائيلية، ولم يتناول حرب أكتوبر.

وأكد السماحي أن السينما في السبعينات كانت تعمل بإمكانيات محدودة مقارنة بما أصبح متاحًا لاحقًا، مشيرًا إلى أن فيلم “الممر” استفاد من التطور الكبير الذي شهدته السينما المصرية، خاصة في التصوير الرقمي والمؤثرات البصرية والصوت والمونتاج وتصميم المعارك وحركة الكاميرا، وهو ما جعل المشاهد يرى الحرب من خلال رؤية سينمائية ضخمة.

وفي المقابل، شدد على ضرورة إنصاف الأفلام القديمة، موضحًا أن أفلام السبعينات، التي قدمت عامي 1974 و1975، جاءت بعد الحرب مباشرة، وكان المجتمع لا يزال يعيش حرارة حرب أكتوبر، كما أن الجمهور عاش الحرب وآثار النكسة، وكان كثير من العاملين في السينما، سواء المخرجين أو مديري التصوير أو الممثلين وغيرهم، أبناء هذا الجيل.

وأضاف أن هذه الظروف جعلت المشاعر أكثر قربًا وأقل احتياجًا إلى الشرح، وهو ما يفسر استمرار ارتباط الجمهور بهذه الأفلام حتى الآن، موضحًا أن المشاهد يشعر عند متابعتها بروح والده وعمه وخاله وأفراد الجيل الذين عاشوا الحرب.

وأشار إلى أن “الممر” جاء بعد سنوات طويلة ليعيد بناء الذاكرة لدى الجمهور، خاصة الشباب الذين لم يعاصروا حرب 1973، موضحًا أن هناك فارقًا بين مشاهدة فيلم عن فترة تاريخية لم يعشها الجمهور، وبين أفلام السبعينات التي كان الجمهور وقتها يشعر وكأنه يشاهد أحداثًا قريبة من قلبه وروحه.

تم نسخ الرابط