سباعية برامج اكتشاف المواهب | النجومية تبدأ من الحرية
في أول ألبوماته عام 1983، غنى عمرو دياب، من كلمات عصام عبد الله، وألحان عزمي الكيلاني، وتوزيع عزيز الناصر: «حبيبتي المدينة متاهة بشر شوارع حزينة بقايا صور حبيبتي المدينة في رياح القدر وحيدة مسكينة بداري الخطر».
كانت الأغنية تنتمي إلى الموضة الموسيقية السائدة في مطلع الثمانينيات، حين اتجهت الأغنيات إلى البحث عن عمق في المعاني، واستعارة صور المدن والشجر والبيوت والجبال، وتقديم المغني في مساحة غنائية أقرب إلى التأمل والتعبير الوجداني.
كان هذا الشكل، إلى حد كبير، هو النموذج الذي جرى توجيه عمرو دياب نحوه في بداياته، بتأثير من أستاذه هاني شنودة، ومن الأساتذة الذين درسوا له في المعهد، والذين أقنعوه بأن هذا هو الطريق الصحيح للغناء.
والآن، تخيلوا لو أن عمرو دياب استسلم لهذه الوصاية، واستمر في تقديم نفسه داخل هذا القالب طوال مشواره الفني. هل كنا سنعرف الهضبة الذي نعرفه اليوم؟ أم كان سيصبح مجرد مطرب آخر يشبه عشرات المطربين الذين ظهروا واختفوا مع تغير الموضة الموسيقية؟.
الحقيقة أن عمرو دياب أصبح نجما لأنه لم يلتزم بما رُسم له في البداية. تخبط، وجرب، ونجح وأخفق، وتعلم من تجاربه، وغنى في كباريهات شارع الهرم، وقدم أغنيات تستعيد أجواء الستينيات، وأخرى تقترب من عالم محمد منير، وتأثر بتجارب مختلفة، قبل أن يكتشف تدريجيا ملامح مشروعه الخاص، ويعرف نقاط قوته، ويصنع هوية موسيقية أصبحت علامة فارقة في تاريخ البوب العربي.
لم يحدث ذلك في لجنة تحكيم، ولم يحصل على موافقة جماعية قبل كل خطوة، ولم ينتظر تصويتا يخبره إن كان الجمهور مستعدا لتقبل ما يقدمه أم لا.
لقد امتلك مساحة التجريب، وحق الخطأ، وفرصة إعادة المحاولة، حتى استطاع أن يحدد بنفسه ما يريد أن يكونه.
وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات برامج اكتشاف المواهب؛ فهي تحرم المتسابق من المساحة التي يحتاج إليها كي يصبح فنانا. تقدم له نسخة مصغرة وكرتونية من الحياة، فيها لجنة تحكيم تقرر من يستحق النجاح ومن لا يستحقه، وجمهور يصوت بناء على حالة درامية صنعتها الكاميرات والمونتاج، بينما تتراجع الموسيقى نفسها إلى مرتبة ثانوية.
لكن الفنان لا يتكون بهذه الطريقة. لا يمكن اختصار رحلة بناء الهوية الفنية في دقائق معدودة أمام لجنة تحكيم، ولا يمكن اختزال علاقة الفنان بجمهوره في تصويت ينتهي مع الحلقة الأخيرة.
التجربة الحقيقية تحتاج إلى وقت، وإلى محاولات غير مكتملة، وأغان قد لا تحقق النجاح، واختيارات قد يرفضها الجمهور في البداية، ثم يكتشف قيمتها لاحقا.
بل إن الفشل نفسه جزء أساسي من تكوين الفنان؛ لأنه يمنحه فرصة لفهم حدود موهبته، واكتشاف ما ينقصه، والتعرف إلى المناطق التي يستطيع أن يبدع فيها. أما النجاح السريع الذي تصنعه المسابقات، فقد يمنح المتسابق شهرة مؤقتة، لكنه لا يضمن امتلاكه الأدوات التي تساعده على الاستمرار بعد انتهاء البرنامج وانطفاء الأضواء.
ثم أي نجم هذا الذي يقف مرعوبا أمام اختيارات لجنة تحكيم، ينتظر منها أن تخبره بما يصلح وما لا يصلح، بينما يعاني بعض أعضائها أنفسهم من غياب الرؤية الواضحة لمشروعاتهم الفنية؟ وأي فنان يمكن أن يصنع مشروعا مستقلا إذا كان ينتظر من الآخرين تحديد ذوقه، واختيار أغنياته، ورسم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه؟.
أيها السادة.. النجم الحقيقي لا ينتظر من الجمهور أن يمنحه الإذن ليكون مختلفا، ولا يكتفي بتقديم ما يعرف مسبقا أنه سيرضي ذائقته. إنه يملك رؤية يحاول فرضها، ويقدم للجمهور ما لم يكن يعرف أنه يحتاج إلى سماعه، وقد يختلف معه في البداية، لكنه ينجح بمرور الوقت في بناء علاقة تجعل الجمهور يتابعه ويبحث عن تجربته الجديدة.
وهذا لا يعني أن الفنان لا يحتاج إلى الآخرين؛ على العكس، هو يحتاج إلى منتج يفهم مشروعه، وملحن وموزع قادرين على تطوير أفكاره، وكاتب يستطيع التعبير عن عالمه، وفريق يساعده على اكتشاف إمكاناته. لكنه يحتاج أولا إلى أن يخوض تجربته بنفسه، وأن يختار من يساعده، وأن يمتلك حق اتخاذ القرار بشأن مشروعه الفني.
فالموهبة ليست مجرد صوت جميل، والنجومية ليست جائزة يحصل عليها المتسابق في نهاية الموسم. إنها رحلة طويلة من اكتشاف الذات، وفهم المشاعر، وتطوير الأدوات، وتكوين الذائقة، والقدرة على تحويل كل ذلك إلى هوية فنية مستقلة.
ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تكشفه تجربة عمرو دياب: لم يصبح نجما لأنه التزم بما قيل له في بداياته، بل لأنه امتلك الشجاعة الكافية للخروج من القالب، والتجريب حتى وجد طريقه.
وبرامج اكتشاف المواهب تريد أن تختصر هذه الرحلة في موسم تلفزيوني، وأن تقدم للجمهور نجما جاهزا وفق مواصفات محددة سلفا. لكنها، في الحقيقة، لا تكتشف الفنان بقدر ما تحاول تشكيله على صورتها.
ولذلك النجومية لا تبدأ من موافقة لجنة التحكيم، ولا تنتهي بتصويت الجمهور. إنها تبدأ عندما يمتلك الفنان حريته، ويخوض تجربته، ويكتشف صوته الخاص.
ويجب التأكيد على أن مثل هذه البرامج قد تمنح الفنان فرصة للظهور، لكنها لا تستطيع أن تمنحه هوية فنية؛ لأن النجومية تبدأ من الحرية، لا من الوصاية!.