سباعية ويجز ومروان بابلو.. من مهّد الطريق للنجومية الإعلانية؟
قبل ظهور مروان بابلو، كانت الشركات الكبرى، عندما تريد إطلاق حملة إعلانية تخاطب الجمهور المصري، تستعين بنجوم موسيقى البوب، أو لاعبي كرة القدم، أو نجوم الصف الأول من الممثلين، باعتبارهم واجهات إعلانية قوية تضمن الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، وتمنح المنتج المعلن عنه قدرًا من الانتشار والقبول الجماهيري.
لا ننكر أن هناك تجارب سابقة، وإن كانت محدودة، مثل تجربة فريق "إم تي إم" في إعلان "موبي زون"، وتجربة فريق "أسفلت" في إعلان "طاطس"، وليس في ذلك أي تقليل من هذه التجارب أو أصحابها، لكننا نتحدث هنا بمنهج تحليلي، يحاول رصد التحولات التي طرأت على السوق الإعلاني، وتحديد اللحظة التي أصبح فيها الرابر قادرًا على منافسة نجوم البوب والسينما والرياضة بوصفه واجهة إعلانية مستقلة.
ولكي ندرك الفارق، فمثلا إعلانات "بيبسي" و"فودافون"، وهما علامتان تجاريتان كبيرتان تعملان في أسواق إقليمية ودولية، فقد ارتبطت في مصر باسم الأسطورة عمرو دياب، الذي مثّل لسنوات طويلة الاختيار الأبرز للشركات الباحثة عن صورة النجم الأول، وظل كذلك حتى يومنا هذا، فهذه العلامات لا تبيع منتجاتها فقط، بل تسعى أيضًا إلى ترسيخ صورتها باعتبارها رقم واحد في مجالها، وإذا كنا نتحدث عن الغناء، فإن عمرو دياب أحد أبرز من جسدوا هذه المكانة في تاريخ موسيقى البوب المصرية والعربية.
لكن المعادلة بدأت تتغير مع ظهور مروان بابلو، وقدرته على تحقيق ملايين المشاهدات على يوتيوب، في وقت كان الوصول إلى مليون مشاهدة واحدة إنجازًا صعبًا، ولم يكن الانتشار الرقمي قد أصبح بالسهولة التي نراها اليوم لم يكن الأمر متعلقًا بأرقام المشاهدة وحدها، بل بظهور جيل جديد من الفنانين يمتلك لغة مختلفة، وصورة بصرية مميزة، وقاعدة جماهيرية شابة يمكن للشركات الكبرى أن تخاطبها من خلالهم.
صحيح أن نجوم أغاني المهرجانات حققوا في فترات مختلفة شعبية هائلة، تجاوزت شعبية عدد من نجوم البوب أنفسهم، لكن النظرة الطبقية التي تعامل بها بعض الإعلاميين وقطاعات من النخبة الثقافية مع هذا اللون الموسيقي جعلت الاستعانة بنجومه واجهة إعلانية قرارًا أكثر حساسية بالنسبة إلى بعض العلامات التجارية الكبرى، فالأمر لم يتعلق بالشعبية وحدها، بل بالصورة الذهنية التي تريد الشركة أن تقدم نفسها من خلالها، وبمدى توافق الفنان مع هذه الصورة.
أما الراب، فقد امتلك معادلة مختلفة؛ فهو نوع موسيقي يرتبط في جزء من جذوره وهويته بالثقافة الأمريكية، ويستخدم كثير من فنانيه الكلمات الإنجليزية والمصطلحات الأجنبية، ويقدم أنماطًا موسيقية وصورًا بصرية تتقاطع مع الثقافة الشبابية العالمية. وبالنسبة إلى الشركات الكبرى، كان ذلك قريبًا من الصورة التي تسعى إلى تصديرها عن نفسها: علامة تجارية عصرية، تواكب العالم، وتعرف كيف تتحدث إلى الأجيال الجديدة.
نضف إلى ذلك الشعبية المتنامية للراب بين المراهقين والشباب، لتصبح الاستعانة برابر مثل مروان بابلو خيارًا منطقيًا، ليس فقط بسبب أرقامه، ولكن لأنه يمثل شريحة جماهيرية جديدة، ويمنح العلامة التجارية فرصة للتواصل معها بلغتها، بدلًا من الاكتفاء باستعارة نجومية فنان من خارج هذا العالم.
وبالفعل، شارك مروان بابلو، إلى جانب أبيوسف، في إعلانات لعلامتي "شيبسي" و"بيبسي"، في خطوة تعكس دخول نجوم الراب إلى مساحة إعلانية كانت تهيمن عليها أسماء تنتمي إلى مدارس فنية أكثر رسوخًا في السوق التجاري.
لكن التجربة الأهم في رأيي كانت حملة "فودافون" التي قدمها بابلو بمفرده؛ لأنها تجاوزت فكرة الاستعانة برابر مشهور ليظهر أمام الكاميرا ويؤدي أغنية سباعية ويجز وبابلو.. من مهّد الطريق للنجومية الإعلانية؟
إعلانية، إلى توظيف أدواته الفنية نفسها في بناء إعلان متكامل وهنا نعود إلى نقطة تحدثنا عنها في أولى حلقات المقارنة السباعية بين ويجز وبابلو، عندما تناولنا تأثير كليبي "الجميزة" و"فري" في تطوير طريقة تصوير الكليبات، واختيار الملابس، وبناء الصورة البصرية، وتقديم الأداء، باعتبار أن المشروع الفني لا يتوقف عند الموسيقى والكلمات، بل يشمل كل ما يراه الجمهور ويسمعه.
في إعلان "فودافون"، قدم بابلو ثلاث شخصيات غنائية، لكل منها الـ"Flow" الخاص بها، وأزياؤها وطريقتها المختلفة في الأداء فنحن هنا أمام ثلاث شخصيات متمايزة، لكنها تتحرك داخل فكرة إعلانية واحدة، وتلتقي في رسالة مترابطة. وكأننا نشاهد ثلاثة إعلانات منفصلة من حيث الشخصيات والأداء، لكنها متصلة من حيث المعنى والهدف.
هذه التفاصيل ليست هامشية؛ لأنها تكشف عن فنان يفكر في الصورة باعتبارها امتدادًا للموسيقى، ويستطيع توظيف اختلاف الشخصيات والأداء لخدمة فكرة واحدة. وهي العقلية نفسها التي يمكن رصدها في مشروعاته الغنائية، خصوصًا الألبومات التي تقوم على بناء عالم فني مترابط، لا مجرد جمع مجموعة من الأغنيات تحت عنوان واحد.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط قوة بابلو: قدرته على التفكير بمنطق الـ"Concept Album"، أي الألبوم الذي يجمع أغنياته خيط مفاهيمي أو درامي أو بصري، ويمنح التجربة معنى يتجاوز الاستماع إلى كل أغنية بمعزل عن الأخرى وهي مهارة تتطلب تصورًا مسبقًا للمشروع، وتنسيقًا بين الموسيقى والكلمات والأداء والصورة، حتى يشعر المستمع بأنه أمام عمل متكامل، وليس مجرد مجموعة من الأغاني المنفصلة.
وإذا كان ويجز قد أصبح في السنوات الأخيرة واجهة إعلانية مهمة، وقدم حملات لعلامات تجارية كبرى، من بينها "بيبسي" وبنك مصر، فإن هذا النجاح لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل التحولات التي سبقت وصول الرابر إلى هذه المكانة، ولا دور مروان بابلو في تقديم نموذج استطاع أن يربط بين هوية الراب الفنية ومتطلبات الإعلان التجاري.
فنحن هنا لا نتحدث عن مَن ظهر في إعلان أكبر، أو مَن حصل على حملة إعلانية أحدث، وإنما كيف انتقل الرابر من كونه فنانًا يستمع إليه جمهور متخصص إلى نجم يمكن للشركات الكبرى أن تعتمد عليه في مخاطبة الجمهور العام، ولذلك فإن مروان بابلو يستحق مكانة أساسية في هذه الحكاية؛ لأنه لم يكتفِ بتحقيق النجاح داخل مشهد الراب، بل ساهم في توسيع المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الرابر خارج هذا المشهد، سواء عبر الإعلانات أو الصورة البصرية أو بناء المشروع الفني المتكامل.
ولذلك، عندما نرى ويجز اليوم في حملات إعلانية كبرى، علينا أن نتذكر أن وصول الرابر إلى هذه المكانة لم يحدث من فراغ، وأن بابلو كن هو المفتاح الذي من خلاله تمكن مجتمع الراب من فتح هذا الباب، ونقل نجم الراب خطوة إضافية نحو الجمهور العام.