متحف كفافيس بالإسكندرية.. شقة صغيرة تحكي قصة شاعر عالمي

متحف كفافيس بالإسكندرية
متحف كفافيس بالإسكندرية

في أحد الشوارع وسط الإسكندرية، تختبئ شقة تحمل بين جدرانها حكاية شاعر لم يكتب عن المدينة باعتبارها مجرد مكان للعيش، بل جعلها عالمًا أدبيًا يعود إليه القراء حتى اليوم. هنا يقع متحف كفافيس بالإسكندرية، البيت الذي عاش فيه الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس سنواته الأخيرة، وكتب داخله عددًا من القصائد التي منحته مكانة بارزة في الأدب العالمي.

لم يكن كفافيس شاعرًا يعيش بعيدًا عن تفاصيل الحياة اليومية؛ فقد انتقل إلى الشقة الواقعة في شارع ليبسيوس، الذي يحمل اسمه اليوم، عام 1907. عاش هناك في البداية مع شقيقه الأكبر بول، قبل أن يغادر الأخير إلى فرنسا، ليبقى الشاعر في المنزل بمفرده. ومن هذا المكان، ظل على صلة بالإسكندرية، المدينة التي امتزج في تاريخها الحضور المصري واليوناني والروماني، وأصبحت مصدر إلهام أساسيًا في تجربته الأدبية.

وُلد قسطنطين كفافيس في الإسكندرية عام 1863، وسط أسرة يونانية ذات صلات تجارية وثقافية. ورغم إقامته خارج مصر لفترات من حياته، عاد إلى المدينة في شبابه، وعاش فيها معظم سنواته اللاحقة. لم تبدأ شهرته الأدبية على نطاق واسع منذ البداية؛ إذ نشر كثيرًا من قصائده في طبعات محدودة، وتدرج الاعتراف بقيمته الشعرية مع مرور الوقت.

تميّزت قصائده باستدعاء التاريخ القديم، لكنه لم يكن يستعيد الماضي لمجرد سرد أحداثه؛ بل استخدم شخصياته وحكاياته لطرح أسئلة عن الزمن والطموح والاختيارات الإنسانية. وفي قصيدته الشهيرة «إيثاكا»، تتحول الرحلة إلى معنى يتجاوز الوصول إلى الوجهة، بينما تتناول قصيدة «المدينة» العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان الذي يحاول مغادرته، وما يحمله معه من ذكريات وتجارب.

وبعد وفاة كفافيس عام 1933، لم يتحول منزله إلى متحف على الفور، بل مرّ المبنى بمراحل واستخدامات مختلفة، من بينها العمل كدار إقامة. وفي 16 نوفمبر 1992، افتُتح متحف كفافيس بمبادرة من المؤرخ والكاتب كوستيس موسكوف، وبمساهمة من ستراتيس ستراتيجاكيس، ليصبح البيت مساحة تحفظ جانبًا من سيرة الشاعر وعلاقته بالإسكندرية.

ومع مرور السنوات، احتاج المكان إلى مشروع ترميم يعيد تقديمه للجمهور. وفي عام 2022، تولت مؤسسة أوناسيس، بالتعاون مع المؤسسة اليونانية للثقافة، مشروع ترميم البيت وإعادة تصميمه. وفي 11 مايو 2024، فُتحت أبوابه مجددًا بعد الترميم، ليقدم للزائر تجربة تستعيد أجواء الشقة وتكشف جوانب من حياة صاحبها وأعماله.

ولا تقتصر زيارة متحف كفافيس بالإسكندرية على مشاهدة غرف وأثاث ووثائق؛ فالمكان يضم مواد أرشيفية ومراسلات وصورًا ومعلومات عن حياة الشاعر، إلى جانب مساحة تستعرض انتشار أعماله وترجماتها إلى لغات مختلفة. كما تتيح الشرفة المطلة على المدينة فرصة للتأمل في العلاقة بين المكان الحقيقي والإسكندرية التي رسمها كفافيس في قصائده.

وتكمن خصوصية المتحف في أن بعض تفاصيله لا تحكي قصة شاعر فحسب، بل تفتح نافذة على مرحلة من تاريخ الإسكندرية، حين كانت المدينة ملتقى لثقافات ولغات وجاليات متعددة. فبين الشوارع التي عرفها كفافيس والقصائد التي تركها، تظل المدينة حاضرة بوصفها ذاكرة تتغير ملامحها، لكنها لا تختفي من الكتابة.

اليوم، يمنح متحف كفافيس بالإسكندرية زواره فرصة الاقتراب من حياة شاعر ارتبط اسمه بالمدينة، ويعيد طرح سؤال بسيط: كيف يمكن لشقة في شارع قديم أن تحتفظ بأثر إنسان بعد رحيله بعقود طويلة؟ ربما تكمن الإجابة في أن كفافيس لم يترك وراءه قصائد فقط، بل ترك طريقة مختلفة لرؤية الإسكندرية؛ مدينة تسكن الذاكرة، وتواصل الحياة في الكلمات.

تم نسخ الرابط