سراديب الموتى بالإسكندرية.. رحلة غامضة إلى أعماق التاريخ!

وشوشة

في أعماق الأرض، بعيدًا عن ضجيج شوارع الإسكندرية وحركتها اليومية، تختبئ حكاية عمرها قرون، محفورة في الصخر ومحاطة بالغموض. هناك، في منطقة كرموز غرب المدينة، تمتد سراديب الموتى بالإسكندرية، المعروفة باسم مقابر كوم الشقافة، شاهدة على زمن تداخلت فيه الحضارات، وامتزجت فيه المعتقدات المصرية القديمة بالتأثيرات اليونانية والرومانية.

لا تبدو هذه المقابر مجرد مكان للدفن؛ فكل ممر فيها يقود إلى تفصيلة جديدة، وكل نقش يحمل أثرًا من عالم لم يعد موجودًا. وتعود المقابر، بحسب التقديرات الأثرية، إلى أواخر القرن الأول الميلادي أو بداية القرن الثاني، حين كانت الإسكندرية واحدة من أبرز مدن العالم القديم، ومركزًا للتجارة والثقافة وتبادل الأفكار.

تبدأ الرحلة إلى سراديب الموتى بالإسكندرية عبر مدخل يقود إلى سلم حلزوني يهبط بالزائر إلى باطن الأرض. ومع النزول، تتكشف الحجرات الجنائزية المنحوتة في الصخر، في تصميم يعكس معرفة البنّائين بطبيعة المكان وقدرتهم على استغلال المساحات تحت الأرض. وتضم المقابر مستويات مختلفة، وممرات تصل بين الحجرات، في تكوين معماري يجعل الموقع من أبرز نماذج العمارة الجنائزية في الإسكندرية القديمة.

لكن العنصر الأكثر إثارة ليس عمق المقابر، بل ما تحمله جدرانها من حكايات ثقافية. ففي سراديب الموتى بالإسكندرية تظهر رموز مصرية قديمة إلى جانب عناصر فنية يونانية ورومانية، في مزيج يكشف طبيعة المدينة متعددة الثقافات.

 ويظهر الإله أنوبيس، المرتبط بالموت والتحنيط في المعتقد المصري القديم، في بعض النقوش بملابس تشبه زي الجندي الروماني، في صورة تختصر هذا التداخل الحضاري.

وتضم المقابر أيضًا قاعة تُعرف باسم"قاعة الولائم الجنائزية"، ارتبطت بطقوس تذكّر الموتى وإقامة الولائم التذكارية. وتكشف هذه المساحة جانبًا من الممارسات الاجتماعية التي صاحبت الموت في العالم القديم، حين لم تكن مراسم الدفن مجرد إجراء أخير، بل جزءًا من منظومة أوسع من الطقوس والمعتقدات.

ويرتبط اسم "كوم الشقافة" بتراكم كسر الفخار والأواني الفخارية في المنطقة، بينما شاع وصف الموقع باسم سراديب الموتى. وقد أدرجته بعض القوائم التاريخية ضمن عجائب الدنيا السبع في العصور الوسطى، لكن هذه القوائم لم تكن موحدة، ولذلك لا يصح اعتباره جزءًا من عجائب الدنيا السبع القديمة المعروفة.

أما اكتشاف المقابر، فتحيط به رواية شهيرة تقول إن حمارًا سقط في بئر الوصول إليها عام 1900، فلفت الانتباه إلى الموقع. غير أن تاريخ الاستكشاف الأثري أكثر تعقيدًا، إذ تشير مصادر أخرى إلى اكتشافات وأعمال استكشاف بدأت قبل ذلك، وهو ما يجعل القصة المتداولة بحاجة إلى تقديمها باعتبارها رواية شائعة، لا حقيقة وحيدة محسومة.

واليوم، تظل سراديب الموتى بالإسكندرية أكثر من موقع أثري؛ إنها نافذة على مدينة صاغتها لقاءات الثقافات وتبادل التأثيرات. فمن خلال نقوشها وممراتها وحجراتها، نستطيع أن نرى كيف عبّر سكان الإسكندرية القديمة عن تصوراتهم للموت والحياة وما بعدهما، وكيف تركوا في الصخر شهادة لا تزال تثير فضول زوار المدينة بعد مرور قرون طويلة.

وفي مدينة تتغير ملامحها باستمرار، تبقى مقابر كوم الشقافة تذكيرًا بأن بعضًا من أهم حكايات الإسكندرية لا يوجد فوق الأرض، بل ينتظر من يهبط إلى أعماقها ليكتشفه.

تم نسخ الرابط