من أم كلثوم إلى سامية جمال والأوبرا.. ماذا قدم الفن المصري للعالم؟
لم تكن الإشارة إلى أم كلثوم وسامية جمال ودار الأوبرا المصرية في سياق الحديث عن مصر، خلال كلمة رئيس الوزراء الماليزي مجرد استدعاء لأسماء فنية بارزة، بل حملت دلالة على المكانة التي احتلها الفن المصري في الذاكرة الثقافية العربية والعالمية وقدرته على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية ليصبح أحد أبرز وجوه القوة الناعمة المصرية.
فخلال حديثه عن مصر، استحضر رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم رموز ارتبطت بالحضارة المصرية، من عصر الفراعنة إلى صوت كوكب الشرق أم كلثوم وسحر الفنانة سامية جمال، في إشارة تعكس حضور التراث الفني المصري في الصورة الذهنية عن البلاد، إلى جانب تاريخها العريق ومعالمها الحضارية.
وبين صوت طرب أصبح علامة فارقة في الموسيقى العربية، ورقص استعراضي حمل ملامح من الهوية المصرية إلى شاشات السينما، ومؤسسات فنية احتضنت الموسيقى والغناء والباليه، تتجلى حكاية فن لم يقتصر تأثيره على الترفيه، بل أسهم في تشكيل الوجدان، ونقل اللغة والثقافة المصرية إلى أجيال متعاقبة في مختلف أنحاء العالم.
أم كلثوم.. صوت تجاوز حدود اللغة
عندما يذكر الفن المصري في الخارج، يظل اسم أم كلثوم حاضر باعتباره أحد أبرز رموز الغناء العربي في القرن العشرين، فقد استطاعت بصوتها وأدائها أن تصنع حالة فنية استثنائية، وأن تجعل الأغنية العربية الطويلة مساحة للتعبير عن الحب والشوق والفراق، من خلال الكلمة واللحن والتطريب، لم تكن مكانة أم كلثوم قائمة على قوة صوتها وحدها، بل ارتبطت أيضا باختياراتها الشعرية والموسيقية، وتعاونها مع كبار الملحنين والشعراء،
ومع مرور السنوات، لم تتوقف أغاني أم كلثوم عند حدود زمنها، بل استمرت في الوصول إلى أجيال جديدة عبر التسجيلات والمنصات الرقمية وإعادة تقديم أعمالها في سياقات فنية مختلفة، كما تجاوز الاهتمام بها الجمهور الناطق بالعربية، لتصبح تجربتها موضوع للدراسة والتوثيق والعروض الثقافية التي تستكشف تاريخ الموسيقى العربية وأثرها.
سامية جمال.. الرقص المصري على شاشة العالم
قدمت الراقصة سامية جمال وجه آخر من وجوه الفن المصري عبر الرقص الشرقي والسينما الاستعراضية، حيث برزت سامية جمال باعتبارها واحدة من أشهر نجمات الرقص في السينما المصرية، وقدمت أسلوب جمع بين الحركة والإيقاع والحضور المسرحي، مع الاستفادة من إمكانات الصورة السينمائية والأزياء والإضاءة والتكوين البصري.
ويعيد ذكر سامية جمال في حديث رئيس الوزراء الماليزي تسليط الضوء على فنانات لم يقتصر دورهن على النجومية، بل شاركن في تشكيل ملامح الصورة الفنية المصرية في مرحلة كانت فيها السينما وسيلة رئيسية للتواصل الثقافي بين الشعوب.
الأوبرا المصرية.. من القاهرة إلى آفاق أوسع
يمثل فن الأوبرا جانب مختلف من الحضور الفني المصري، حيث تجمع بين الموسيقى والغناء والتمثيل والديكور والأزياء والإضاءة وتعتمد على تكامل مجموعة كبيرة من التخصصات الفنية والتقنية في عرض واحد.
وتتجلى أهمية الأوبرا في كونها مساحة للقاء مدارس فنية مختلفة فهي تستقبل أعمال من التراث الموسيقي العالمي، وفي الوقت نفسه تتيح تقديم الموسيقى المصرية والعربية في إطار مسرحي وموسيقي متكامل، ومن خلال الفرق والعروض والفعاليات والتبادل الثقافي يصبح المسرح وسيلة للتعريف بالموسيقى المصرية وفي الوقت نفسه للتواصل مع تجارب فنية من بلدان أخرى.
ولا يقتصر دور الأوبرا على استضافة عروض جاهزة، بل يرتبط أيضًا بتدريب الفنانين، وإعداد العازفين والمغنين والراقصين، وتطوير الخبرات الفنية والتقنية اللازمة لإنتاج العروض.
وهكذا يتحول الفن إلى منظومة متكاملة تشمل الإبداع والتعليم والإنتاج والتعاون الدولي، لا إلى أداء فردي فحسب.
فمن صوت أم كلثوم الذي ارتبط بذاكرة أجيال، إلى حضور سامية جمال على شاشة السينما، ومن خشبة المسرح إلى عروض الأوبرا، لم يكن الفن المصري مجرد مرآة للمجتمع، بل كان أيضًا جسرًا للتواصل مع الآخرين، ورسالة ثقافية حملت ملامح مصر إلى العالم.



