في عيد ميلاد الهضبة والملك.. حكايات الأغاني التي كادت تجمع بين عمرو دياب ومحمد منير

عمرو دياب ومحمد منير
عمرو دياب ومحمد منير

في ظل انتصاراتنا الكبيرة في شهر أكتوبر العظيم، الذي استطعنا فيه قبل 53 عامًا استرداد أرضنا الحبيبة سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، نجد أنفسنا اليوم أمام احتفال آخر تتفرد به مصر عن مختلف دول العالم، لكن هذه المرة في مجال الأغنية تحديدًا.

فنحن البلد الذي يمتلك نجمين كبيرين من علامات الموسيقى العربية، لكل منهما مسيرة فنية تتجاوز ربع قرن من النجاح المتواصل، وللمصادفة البحتة، فإن النجمين من مواليد 10 و11 أكتوبر على الترتيب.. نقصد بالطبع الملك محمد منير والهضبة عمرو دياب، وفقًا لترتيب تاريخ الميلاد.

وللمفارقة، يشترك النجمان الكبيران في العديد من العوامل الفنية، لكننا في هذا الموضوع سنتوقف أمام عامل واحد تحديدًا: الأعمال التي يمكن أن تغنى بصوتيهما، وكيف يمكن للعمل الفني نفسه أن يتغير إحساسه ومعناه باختلاف صاحبه؟!

 

أغنية بصوتين

نحن بالفعل أمام تجربة نادرة حدثت عام 1982، عندما قدم محمد منير أغنية “أمي الحبيبة”، التي كانت تترًا لمسلسل يحمل الاسم نفسه، من ألحان هاني شنودة، وهو الملحن الذي جمعته مفارقة زمنية أخرى بالنجمين، بعدما كان أحد صناع البدايات المهمة في مسيرتيهما.

وبعد ذلك، طلب عمرو دياب من هاني شنودة تقديم الأغنية له، وبالفعل غناها عمرو دياب بصوته.

ورغم أن اللحن واحد، والكلمات واحدة، فإنك تستطيع، صديقي القارئ، أن تستمع إلى الأغنية نفسها مرتين، فتتذوقها بمشاعر مختلفة تمامًا، فقط لأن الصوت تغير.

 

هنا تحديدًا تكمن قيمة التجربة؛ فمحمد منير وعمرو دياب لا يقدمان الأغنية بالطريقة نفسها، ولا يحمل كل منهما الكلمات إلى المساحة الشعورية ذاتها، رغم أن نقطة البداية واحدة.

أغنية واحدة.. لحن واحد.. كلمات واحدة.. لكن صوتين قادرين على صناعة تجربتين مختلفتين، ولهذا مصر محظوظة بالنجمين الكبيرين.

 

مفارقة “المصير”

من المفارقات الأخرى في عام 1997، تم ترشيح عمرو دياب للمشاركة في فيلم “المصير”، وتحديدًا لتقديم شخصية “مروان”، وهو الدور الذي ذهب في النهاية إلى الفنان محمد منير، وحقق من خلاله نجاحًا كبيرًا.

وكشف المخرج خالد يوسف، الذي كان المساعد الأول ليوسف شاهين في الفيلم، أن شاهين كان معجبًا للغاية بعمرو دياب، وكان يرى فيه كاريزما استثنائية ووجهًا سينمائيًا مبهرًا “فتوجينيك”، لدرجة أنه كان يقارن جاذبيته ومكانته العالمية بالفنان الراحل عمر الشريف.

وبالفعل، تواصل فريق الفيلم مع عمرو دياب، وعقدوا معه جلسات عمل مكثفة، وتسلم السيناريو وبدأ في قراءته والتحضير للشخصية.

لكن المفاجأة التي كشف عنها الفنان الراحل نور الشريف -بطل الفيلم الرئيسي- في تصريحات تلفزيونية سابقة، أن فترة التحضير الطويلة للفيلم شهدت جلسات مكثفة لدراسة موسيقى الأندلس وتاريخها وطبيعتها وتطورها، وكان عمرو دياب حاضرًا خلالها مع فريق العمل.

 

من الأندلس إلى “نور العين”

وهنا تظهر واحدة من المفارقات الفنية اللافتة في الحكاية؛ فعمرو دياب استثمر ما خرج به من هذه الجلسات، ومزج بين الموسيقى الإسبانية والمصرية، ليخرج لاحقًا بفكرة أغنيته الشهيرة “حبيبي يا نور العين”، التي صدرت ضمن ألبوم “نور العين” عام 1996، وحققت نجاحًا عالميًا استثنائيًا.

وعلى المستوى الفني، سنجد أن الأغنية التي قدمها محمد منير في الفيلم، بعدما أصبح هو البطل الفعلي لشخصية “مروان”، وهي “علي صوتك بالغناء”، تنتمي إلى القالب الموسيقي نفسه من حيث التوزيع، وهو الفلامنكو، الذي تنتمي إليه أيضًا “نور العين”.

وهنا تصبح المفارقة أكثر إثارة؛ لأن الأغنيتين تكشفان، بشكل أو بآخر، عن منهج كل فنان في التعامل مع الأغنية.

عمرو دياب كان شغوفًا بفكرة الوصول إلى العالمية، ومخاطبة جمهور قد لا يفهم اللغة العربية من الأساس. وفي “نور العين”، نجح في تحقيق ذلك من خلال الاعتماد على جمل لحنية شديدة الرنين، وتوزيع موسيقي بالغ الجودة، استطاع أن ينافس، في روحه وتفاصيله، أشكالًا قدمها صناع موسيقى الفلامنكو أنفسهم.

ولعل واحدة من أهم علامات هذا النجاح أن “جيبسي كينجز”، وهم من أشهر فرق الغجر التي تغني بالإسبانية، قدموا “نور العين” وكأنها أغنية خرجت من قلب الثقافة الإسبانية، وليست أغنية مصرية تستلهم قالبًا موسيقيًا إسبانيًا.

أما محمد منير، فكان اهتمامه الأكبر بمحتوى الكلمات باعتباره عنصرًا رئيسيًا في التجربة، قبل اللحن وقبل التوزيع وكان يهمه أن يعبر عن الحالة الشعورية للشخصية داخل الفيلم، وأن تحمل الأغنية رسالة تتجاوز اللحظة الدرامية، وتبقى كلماتها عالقة في وجدان الجمهور.

ولهذا جاءت “علي صوتك بالغناء” محملة بالحكم والنصائح والمعاني التي تصلح لكل زمان ومكان.

 

اختلاف الرؤية

هنا تحديدًا تتضح الفوارق بين فنانين ينتميان إلى جيل واحد، ويستطيعان الوقوف فوق القالب الموسيقي نفسه، لكن كل واحد منهما يرى الأغنية من زاوية مختلفة؛ عمرو دياب ينظر إلى ما يمكن أن تفعله الأغنية في العالم وكيف سيخاطب الإنسانية بشكل عام، بينما محمد منير ينظر إلى ما يمكن أن تفعله الأغنية في وجدان الإنسان المصري على وجه التحديد.

 

وهي عاملة إيه دلوقت.. أغنية قريبة من منير

ولدينا أيضًا واقعة أخرى تعود إلى عام 2000، كشف تفاصيلها الملحن عصام كاريكا في أكثر من لقاء تلفزيوني.

بدأت الحكاية عندما كان عصام كاريكا مع الكاتب بهاء الدين محمد داخل الاستوديو، لتسجيل أغنية للمغنية هدى عمار. وخلال الجلسة، دندن بهاء الدين بمطلع كلمات الأغنية، فأُعجب كاريكا بها على الفور، وبدأ في تلحين المطلع مستلهمًا روح أحمد منيب، الملحن الذي صنع مع محمد منير واحدة من أهم تجارب الأغنية في مرحلة البدايات.

وبالصدفة، كان عمرو دياب لديه حجز في الاستوديو نفسه بعد هدى عمار التقى الهضبة بكاريكا، وسأله عما إذا كان لديه جديد يمكن أن يسمعه. فقدم له كاريكا مطلع الأغنية: “وهي عاملة إيه دلوقت ومين هون عليها الوقت”.

أُعجب عمرو دياب بالأغنية، ولم ينتظر طويلًا، فقام بتنفيذها مع الموزع طارق مدكور في اليوم التالي مباشرة لسماعه اللحن للمرة الأولى.

لكن المفارقة الأهم أن الأغنية لم تكن غريبة على محمد منير؛ فقد كان يبدي إعجابه بها لكاريكا، بل كان يطلب منه أحيانًا أن يغنيها في الجلسات الخاصة التي جمعتهما، وكان منير يشاركه الغناء فيها، تعبيرًا عن حبه للأغنية -حسب تصريحات كاريكا- وهكذا، مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام أغنية كانت قريبة من صوت منير، قبل أن تنتقل إلى صوت عمرو دياب، لتصبح في النهاية جزءًا من ذاكرة جمهور الهضبة.

 

“يوم تلات”.. لمن؟

هناك أيضًا واقعة أخرى تخص أغنية “يوم تلات”، أكد تفاصيلها أحد صناعها، الملحن عزيز الشافعي، خلال لقائه مع الإعلامية إسعاد يونس.

كشف الشافعي أن الأغنية، التي كتب كلماتها الكاتب تامر حسين، لم تُكتب في الأساس لعمرو دياب، لكنها في الوقت نفسه لم تكن معروضة على محمد منير، وإنما كانت مجرد مشروع غنائي يبحث عن المغني الذي يناسبه. ومع ذلك، كانت الأغنية قريبة من القاموس الغنائي لمنير، وهو ما جعل الجمهور يربط بينها وبين صوته، حتى بعد صدورها بصوت عمرو دياب.

الأغنية وصلت إلى عمرو دياب بالصدفة البحتة، عندما تواصل الموزع أسامة الهندي -الذي له أيضًا أعمال ناجحة مع محمد منير- مع عزيز الشافعي ليسأله عن مصير الأغنية، وما إذا كان أحد المغنيين قد حصل عليها وعندما علم أنها ما زالت متاحة، عرضها على الهضبة عام 2019، فغناها، لتقدم له شكلًا غنائيًا جديدًا، وإن ظل جزء من الجمهور يتخيلها أيضًا بصوت منير، لأنها ببساطة كانت تصلح له.

والحقيقة أن مثل هذه التكهنات التي تظهر بين الجمهور، سببها في المقام الأول الحب الكبير للنجمين الكبيرين، وليست انتقاصًا من رؤية فنان لحساب الآخر، ولا محاولة من الجمهور للوصاية على اختياراتهما الفنية.

الأمر ببساطة يتعلق بشعبية منير ودياب، وبالمساحة الكبيرة التي يحتلها كل منهما في وجدان الجمهور، وربما لهذا السبب تحديدًا جاءت واحدة من أهم لحظات اجتماعهما فنيًا في أغنية “القاهرة”.

 

“القاهرة” تجمعهما

هذه المرة، لم تكن الصدفة وحدها هي صاحبة الدور، وإنما التقت الصدفة مع رغبة مشتركة لدى النجمين في تقديم عمل غنائي يجمعهما معًا.

كان اللقاء داخل استوديو الموزع الموسيقي أسامة الهندي، الذي كان يعمل على تنفيذ أعمال لكلا النجمين في الفترة نفسها وعندما التقى الهضبة والكينج هناك، أسمعه عمرو دياب مطلع أغنية “القاهرة”، التي كتب كلماتها تامر حسين، ولحنها عمرو دياب وأحمد حسين.

أُعجب منير بالأغنية بشدة، وظل يرددها، وهو ما دفع عمرو دياب إلى عرض المشاركة عليه كـ"ضيف شرف"، ليضيف بصوته المميز لمسة مختلفة إلى الأغنية.

وتطور الأمر من مجرد مشاركة صوتية إلى ظهور النجمين معًا في الكليب، في مشاهد حملت الكثير من الحب والتقدير المتبادل بين فنانين استطاعا أن يواصلا النجاح لأكثر من ربع قرن.

 

من البداية إلى اللقاء

أتذكر جيدًا ما كان يقوله لي الموزع الكبير طارق مدكور، الذي عمل مع محمد منير قائدًا لفرقته الموسيقية لفترة ليست قصيرة، إلى جانب توزيعه لعدد كبير من أنجح أغانيه، وهو أيضًا صديق شخصي لعمرو دياب، وعمل معه للمرة الأولى كموسيقي محترف في ثاني ألبومات الهضبة.

كان طارق يحكي لي أنه في مرحلة البدايات، كان يذهب بصحبة عمرو دياب إلى حفلات محمد منير، للاستمتاع بما يقدمه، قبل أن يحقق الهضبة كل هذا النجاح المدوي، ويصبح واحدًا من أهم نجوم البوب في تاريخ الأغنية العربية.

وهنا تصبح الحكاية أكثر جمالًا عندما تتأملها من بدايتها.

شاب في بداياته يذهب ليستمع إلى نجم سبقه، ثم تدور الأيام، فيقف الاثنان جنبًا إلى جنب في أغنية واحدة، وبعد سنوات أخرى يجتمعان على مسرح واحد في السعودية، خلال حفل تكريم الموسيقار هاني شنودة، الذي كان من أوائل من جمعوا بينهما وقدموا موهبتهما للجمهور.

وهناك، لم يكتفِ منير ودياب بالوقوف معًا، وإنما تبادلا الغناء، وأعادا تقديم الأغنية التي بدأنا بها هذه الحكاية قبل عشرات السنين: “أمي الحبيبة”.

لكن هذه المرة، لم تكن الأغنية بصوت أحدهما وحده.

كانت بصوت اثنين من أهم مصادر القوة الناعمة المصرية.

وتهنئتي الأخيرة إلى الملك محمد منير، والهضبة عمرو دياب، كل عام وأنتما بخير، وكل عام وأنتما صوتان من أجمل أصوات مصر، وفخرٌ لوطنٍ أحبكما، واحتفى بفنكما، وظل يراكما دائمًا جزءًا من ذاكرته ووجدانه.

كل عام وأنتما فخر لمصر.. ودامت أغنياتكما حاضرة في قلوبنا.

تم نسخ الرابط