فقد ذاكرته في الحرب وأعادتها له السينما.. قصة اختطاف عادل إمام في إسرائيل!

عادل إمام
عادل إمام

لم يكن الشاب عادل إمام يفتقد أي من المقومات التي كانت لتؤهله ليصبح نجمًا سينمائيًا معروفا، فمن وسامة واضحة ميزت قسمات وجهه، حتى في أحلك اللحظات على الجبهة، إلى جسد رياضي ممشوق، وقدرة استثنائية على التعبير، والتأثر بأبسط المواقف، مع نبرة صوت مميزة قادرة على توصيل المشاعر بطريقة مذهلة، وخيال خصب ميزه منذ نعومة أظفاره فضلًا عن ولع شديد بالسينما وعالمها لم ينتظر معه مخرجين أو منتجين ليكتشفوه.


الرجل الذي ضلت السينما طريقها عنه، لم يضل طريقه عنها، ولم يتخل عنها إلا حين تخلى عنه الحب، هكذا انطلق  بصدق شديد، واندماج عميق، يمثل ويشاهد، ويحب ويرسم القصص، يصورها بكاميرات وهمية، ويحفظ شرائطها في صميم قلبه، متشبعا بكل تلك السنوات التي استطاع خلالها قلبه أن يبقي على قيد الحياة من أسر وإصابات كادت تودي بحياته، إلى حب أودى بقلبه فعلا، لم يخفق الرجل أن يحب ويحارب وينتصر وينهزم، ويضحك ويبكي ويشعر أنه على قيد الحياة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

كلمة السر: "زبيدة ثروت"


أمام شاشة السينما، كان الفتي الوسيم، عادل إمام يصير شخصًا آخر، صحيح أنه لا يذكر الفيلم الأول، أو المرة الأولى له داخل هذا العالم الساحر، لكن الأكيد أن عمره كان  بعد 8 سنوات فقط، حين عُرض فيلم يوم من عمري لأول مرة، فذهب بصحبة أطفال المنطقة ومن بينهم تلك الطفلة التي جلست إلى جواره، وخرج بصحبتها من السينما في ذلك اليوم وهو لا يرى إلا أنه عبد الحليم وهي "زبيدة ثروت".

لا يلبث يتذكر تلك اللحظات السعيدة حتى الآن، وهو يقول بصوت متهدج: "الحب وقتها كان حب حقيقي، غير الحب بتاع دلوقتي، كان زمان واحد بيحب واحدة بيحبها فعلا، لا مصلحة، ولا غرض، وأنا كان حبي زيادة أوي".


لم يكن الصغير الذي خفق قلبه مبكرًا جدًا يعلم أنه عقب سنوات قليلة سوف يخوض مغامرة لن تخطر له على بال، يعيش نكسة ويشارك في حرب وانتصار، ثم يصبح أسيرًا لدى إسرائيل قبل أن يعود إلى القاهرة حيث كان بانتظاره مفاجأة أخرى كبرى، لم تكن سارة جدا.

أحاد المتعة والسعادة


منذ بدأ عمله في سن مبكرة بورشة برادة اسطمبات في ميدان باب الخلق، تحولت أيام الآحاد بالنسبة لـ "عادل إمام" إلى أيام للمتعة والترفيه: "يوم الحد ده كان يوم السينما، أصحى أفطر ونتجمع أنا وأصحابي من ولاد الحارة واخواتهم البنات ونطلع كلنا على السينما اللي نختارها، وهي كانت دايما معانا".


يستطيع الرجل البالغ من العمر 73 عاما أن يعد لك بسهولة كل السينمات التي اعتاد ارتيادها في عقدي الستينات والسبعينات، لم يعد أكثرها موجودا الآن: 


• سينما ابن البلد في السيدة زينب
• سينما الشرق في السيدة زينب
• سينما الأهلى في السيده زينب
• سينما إيزيس في بركة الفيل بالسيدة زينب
• سينما ستار في لاظوغلي
• سينما سهير في العباسية 
• سينما كايرو في عماد الدين
• سينما كوزموس في عماد الدين
• سينما شبرا بلاس في شبرا
• سينما ريڤولى في وسط البلد
• سينما راديو في وسط البلد
• سينما أديون وسط البلد
• سينما ريالتو في الفجالة
• سينما هنولولو في حدائق القبة
• سينما الحدائق في حدائق القبة
• سينما الخانكة في الخانكة

الأفلام الموازية في حارة "درب أبو لحاف" بالناصرية


"كانت حبيبتي من صغري لحدما روحت الجيش، 11 سنة الشباك قصاد الشباك، والكل يقول فلانة لعادل وعادل لفلانة، دي كانت سبب دخولي للأفلام الرومانسية" تلمع عينيه وهو يتذكر تلك الأيام التي كانت تبدو سعيدة جدا: "كنا بنروح جماعة، زمايلي الصبيان، واخواتهم البنات، ندخل سينما في شارع عماد الدين، كان فيه ييجي 16 سينما، نطلع من السينما دي نخش السينما دي، كان عندنا فرصة طول اليوم".


من بين كل الأفلام لا يزال يذكر تلك بالذات التي شاهدها بصحبتها: "أبي فوق الشجرة"، "خلي بالك من زوزو"، يقول:  "بس الرومانسي ده كان معاها هي بس، أما مع أصحابي فكنت بشوف أفلام زي  "رامبو ومسدسه الذهبي"، وأفلام رعاة البقر، لسة فاكر "فانتوماس"و"من أجل حفنة دولارات"، كنا غاويين الأفلام الأمريكية، لكن الموضوع مكانش بينتهي في السينما".


يراهن عادل على أن من بقي حيًا في حارة درب أبو لحاف بالناصرية حتى الآن، بالضرورة يتذكر ما كان يجري في أيام الأحاد، عقب عودة شباب الحارة من السينما: "كنا نطلع من الفيلم اللي شوفناه نروح ننفذه في الحارة، كل حركة نعيدها، و كل حاجة بنوجد لها معادل، عاوزين بطلة للفيلم، أروح أجيب فلانة، أصلها كانت مجنونة زيي، أو زي ما كانوا بيقولولنا البيض الممشش بيتدحرج على بعضه، المسدسات نعملها من الورق المبروم، مسدس بماسورتين، والطلق من نوى البلح، وكان في عربخانة بتاعة حناطير من اللي كانت بتطلع في الأفلام القديمة، كنا نجيب رغيف كوفتة نديه للراجل ونجيب كام حصان أو حمار وننفذ الفيلم اللي شوفناه، والناس تتفرج علينا من الشبابيك في الحارة، اللي مكانش بيروح السينما، كانت بتجيله لحد عنده، والحارة كلها تحكي عن الفيلم لحد الأسبوع اللي بعده".

يضحك بشدة وهو يتذكر علب السمنة الصفيح التي كانوا يقومون بثقبها، وتثبيت قرطاس بها لتشبه كاميرا السينما، ثم يتم تثبيتها على ثلاث "مقشات": "مكناش بنمثل بس، لا ده كان في مخرج، ومصور، وممثلين، ونعيد المنظر مرة واتنين، وانت نط، وانت اجري، كانت التفاصيل تثبت في دماغنا، لدرجة الاحزمة العريضة اللي بيتثبت فيها المسدس نعملها من ورق".


تبقى كل المشاهد التي قاموا بتصويرها في كفة، وذلك المشهد بالذات في كفة، يبتسم لا إراديا كلما لاحت بعقله التفاصيل: "في لقطة منساهاش البطل كان بيبوس البطلة فوق حصان، كان لازم ابوسها لكن مارضيتش أركب فرسة فركبت حمارة، وشيلتها وحطيتها قدامي، جيت أبوسها الحمار نط بينا فاترمينا في حوض المية اللي بيشربوا منه الحمير، ليها آلاف الذكريات معايا، لسة بسأل نفسي لحد النهاردة إيه اللي كنا بنعمله ده؟".
 

من انسابية "راديو" إلى "دكك" فريد شوقي


يعمل عادل إمام منذ كان في الخامسة من عمره، يقول: "بدأت شغل عند الصاغة، في تصنيع المجوهرات، وفضلت في الشغلانة، وقعدت عند جدي في عمارة العفش المشهورة في ميدان الخلق، وكبرت وأصبحت شغلتي تصميم الاسطمبات الخاصة بالحلي الذهبية، الحلق والخاتم، والكردان، هي دي صنعتي، واتنقلت بين ورش كتير، وكنت دايما مطلوب لأني شاطر، أشتغل طول الأسبوع صح ويوم الإجازة أقضيه خروج وانبساط".


ارتبطت عينيه بتفاصيل ربما لم يكن يلاحظها سواه، يقول: "الأهلي والشرق وايزيس وستار مبقوش موجودين  خلاص، وسينمات عماد الدين زي كوزموس كانت دايما تعرض تلات أفلام امريكاني في العرض الواحد، أما سينما أوبرا ومترو وراديو فكانوا يجيبوا فيلمين، واحد عادي وواحد كارتون".

يتكئ إلى الخلف بثقة وهو يقول: "أنا داخل أفلام عدد شعر راسي مكنتش بخلي فيلم، ودفعت جميع أنواع التذاكر، وجربت كل القاعات، دخلت اللي بـ 3 تعريقة، واللي بـ 2 جنيه، كنا نروح أنا و5-6 زمايلي، نلم وندخل نتبسط، أكتر سينمات عجبتني، كانت سينما مترو ودي كانت سينما كبيرة قعدتها ملوكي، لما كنت أحب اترسم قدام حبيبتي أخدها على هناك، أما أحلى صالة دخلتها كان صالة سينما راديو، جميلة جدا، انسيابية و مرتفعة، اللي يقعد في أي مكان يقدر يشوف الشاشة بوضوح، آخر واحد زي أول واحد ، وبعدين البلكون بتاعها كانت بارزة، وقعدة العائلات خارجة مش لطش في الحيطة، مرة دفعت 7 جنيه عشان اقعد في بلكون مع حبيبتي، يومها حسيت إني في قلب الشاشة، كانت سينما قيمة جدا".

من فئات السينمات الباهظة، إلى السينمات التي يصفها بـ "الشعبية" مثل كوزموس، وأدويون، وشبرا بالاس، يقول: "كنا نقعد على كراسي مرتفعة درجات بسيطة، لو واحد قاعد قدامك تفضل تقوله تعالى كده شوية وشوية" لكن عادل إمام يضع السينمات جميعا في كفة، وسينما "ابن البلد" في كفة وحدها: "كنا مسمينها سينما فريد شوقي، كانت في المدبح ومكانتش تجيب غير أفلامه، كنا ندفع قرش صاغ، التذكرة بـ 9 مليم، والمليم اللي فاضل ناخد ملبسة أو شيكولاتية، ونتفرج على 3 أفلام لوحش الشاشة، كنت بفرح بالملبسة أوي".


لم تكن سينما فريد شوقي -ابن البلد- بها مقاعد بالمعنى المفهوم بحسب عادل، يقول: "كانت دكك خشب بتزيق، ومهكعة، نقعد عليها ولو واحد هز رجليه تتهز بكل اللي قاعدين".


رغم أن سينمات السيدة زينب كان الأقرب إليه إلا أنه كان يتعمد الابتعاد قدر الإمكان لتجربة المزيد: "دخلت في ريالتو فيلم اقتلني من فضلك لفؤاد المهندس وشويكار، وكنت مرتبط بأفلام عبد الحليم بالذات، هو اللي علمنا الحب".


صورته مع حبيبته.. سر الورقات الأربع


ما يزال عادل إمام يحتفظ بتلك الصورة بالذات له مع حبيبته الأولى، الوحيدة الباقية لديه، ويذكر أيضا ذلك اليوم: "اتصورنا الصورة دي قبل تجنيدي بتلات شهور، في الصورة دي كان طلب التجنيد في جيب القميص"، كانت تلك هي الورقة الأولى من أربع ورقات أعادت رسم حياته بالكامل بشكل لم يخطر له على بال.


لم يكن عادل أو أي من رفاقه يعلمون أن تدريباتهم المكثفة تمهيد لحرب أكتوبر، يقول: "كنا في جنيفة في السويس، طلعنا على الساتر ومسكنا حمايته، قبل المعركة بأربع أيام، هناك كنت بشوف العدو على بعد 185 متر بينا وبين إسرائيل، كان أي جندي إسرائيلي بالنسبالنا اسمه داوود، ننادي يا داوود، ونشتمهم أو نموتهم، وقتها قالولنا إننا في مشروع حرب، كل شوية يقولولنا شدوا طوارئ لا ارجعوا، بتاع 6 أو 7 مرات بعدها قالولنا إن المشروع نجح، وخلاص، جابوا ورقة وحطوا فيها أسماء ناس هاتروح تعمل عمرة، وإحنا الأفراد هاننزل إجازة 48 ساعة، الكلام ده كان قبل الحرب بأربع أيام ونزلت إجازة، فعلا أتاريه كان تمويه".


لم يشك عادل لحظة أن إجازته وزملائه، وأخبار رحلات العمرة قد تكون خدعة حرب، يتذكر من بقي من زملائه على الجبهة وقتها، حيث لم يكن هناك شيء لفعله في ظل حالة مفتعلة من السيولة: "كان منهم اللي قاعد يمص قصب واللي قاعد يغسل، أجواء ماتقولش إن في حرب، كان بيهزروا ويلعبوا كورة، قبل ما امشي كنت بشارك معاهم، في المغربية نقوم مقسمين فريقين، لكن سيبتهم ورجعت القاهرة وأنا فرحان بالإجازة اللي أخدتها أخيرا".


انطلق قطاره نحو القاهرة في الواحدة بعد منتصف الليل، فوصل باب الحديد في السادسة صباحا، يتذكر تلك اللحظات جيدا: "أول ما نزلت روحت لابويا وأنا فرحان قولتله أنا خدت تصريح يا ابويا، أصلنا كنا بننزل كل 43 يوم  72 ساعة، ده وقت الراحة والترفيه الوحيد وسط تدريبات شاقة متواصلة، كان عندي خطط للأجازة لكن أبويا كان وصله الورقة التانية، انتظرني أخلص كلام ي وقالي بقولك ايه، اعمل للخلف در، وخد القطر وارجع وحدتك فورا".


كان الوالد قد تلقى تلغرافا بضرورة أن يسلم ابنه نفسه قبل الثانية بعد منتصف الليل، يقول: "كانت أول مرة تحصل، قولتله طيب على الأقل أعمل سندوتشين طعمية من الراجل تحت وأرجع، كان واحشني طعم الطعمية بتاعته أوي" لا يذكر اسمه لكنه يذكر وجهه جيدا، وكذلك كل تلك الوجوه التي قابلته قبيل انطلاقه نحو حرب لم يكن يعلم عنها شيء: "بتاع الطعمية رفض ياخد مني فلوس، وبتاع العصير رفض هو كمان، وطبطب عليا وقالي خد الخمسين قرش دي، الناس لما كانت تلاقي علامة الجبهة على صدري، كلهم كانوا بيبقوا عاوزين يشيلوني من على الأرض، اللي يركبني ببلاش، واللي يقولي لازم تاكل وتتغذى، كان مرتبي وقتها 2 جنيه و43 قرش، فيهم علاوة جبهة وعلاوة موت وعلاوة خطر، فكنت مميز عن باقي الجنود، أمشي اتباهي بالعلامة الخضرا اللي على صدري، وبالمرتب ده".


صور البطل في الحرب


أسعد الحظ عادل بعدد وافر من اللقطات على جبهة النصر، ما يزال الرجل ذو الاسم الفني يحتفظ بها حتى الآن: "اتصورت يوم 6 ويوم 10 ويوم 16، واللي صورني كان مصور حربي مصاب، كان واقع متدحرج من على الجبل ومصاب، بقوله أنت بتعمل ايه قالي بشوف شغلي".


ضحك وصرخ وحارب وانتصر وشعر أن الكون لا يتسع لقلبه السعيد، ظن أن القصة انتهت، لكنها في الواقع كانت تبدأ: "الحرب مكانتش 6 ساعات بس وخلصت، احنا فضلنا 4 شهور، كانت حرب طويلة، واتحاصرت مع زمايلي قوات بدر 104 يوم، اتقطعت عننا الإمدادات من أكل وشرب، وكانت أمريكا مسيطرة على الجو، وبعد 3 شهور جه ورق جديد لوالدي".

صور البطل في الحرب

مع ورود الورقة الثالثة لوالده عقب الحرب بثلاثة أشهر، تم إخباره بشكل رسمي: "ابنك مفقود أثناء العمليات الحربية"، أصيب الأب لحظتها بمرض السكر، المرض الذي قتله لاحقا، وانطلق كالمجنون نحو الكيلو أربعة ونص، على أول طريق مصر السويس، ويبدأ في الشجار مع الشرطة العسكرية كي يسمحوا له بالانطلاق في الصحراء بحثا عني: "أصلي كنت ابنه البكري، جيت ومن بعدي 11 أخ وأخت، كنت الدلوع، رغم الفقر الشديد، كان جايبلي عربية أطفال زي الأفلام، وأجمل هدوم، كنت أنا اللي على الحجر، لذلك أبويا ماستوعبش، كان خياله إني تايه في الصحرا ولازم يدور عليا ويلاقيني، جاله حاجة ف عقله وقتها بسببي، يرجع البيت ويرجع يدور عليا، ويقولهم عاوز اروح سينا أدور على ابني انا البكري".

صورة الأب

لم يكن الأمر سهلا على الأسرة التي تلقت عقب 6 أشهر الورقة الرابعة، والتي تفيد استشهاده، يقول: "أرسلوا لوالدي ثلاث شيكات، قيمة الواحد 36 جنيه، صرف اتنين وبروز التالت، علقه في الصالة وقال عشان افتكر ابني الشهيد".


لم يكن الوالد يعلم أن ابنه على قيد الحياة ولكن على الجانب الآخر، خلف خطوط العدو، تحديدا في أورشليم، وأنه سيبقى هناك لقرابة العامين قبل أن يعود من جديد لعائلته، حيث العديد من المفاجآت كانت بانتظاره.

 

داخل "الطاقة السوداء"


ارتدت عائلة عادل اللون الأسود لعامين، لم يعلموا شيئا وقتها عن ذلك اليوم، ما يزال يذكره جيدا، يقول: "بعد اتفاق الكيلو 101، بيقولوا عليه اتفاق ال6 نقط، بعد حرب 1973، وبعد حصارنا، جالي أوامر أطلع مع الظابط سيد في مهمة خلف خطوط العدو، كنا بنحاول نكسب أرض عشان لما نتفاوض نبقى على أرض صلبة، دخلنا بدون غطاء جوي، وفعلا خدنا 36 كيلو جوه، مهمتي وزمايلي كانت إننا نكسب أرض جوه، وهكذا دخلت للعدو برجلي، مفروض إنها كانت مهمة لمدة 72 ساعة، لكن أنا وزمايلي مارجعناش، اتصابنا، خدت طلقتين واحدة في رجلي وواحدة في كوعي، شالونا غرقانين في دمنا، وركبونا هليكوبتر، ودخلونا أورشليم، اتأسرت يوم 29 يناير 1974 مافوقتش غير بعد يومين".


مايزال حتى اليوم يحاول أن يتذكر ما جرى هناك لكنه لا يستطيع سوى استعادة القليل جدا، يقول: "اللي فاكره إنهم دخلونا مكان اسمه الطاقة السودا، وهناك شوفت أسرى مصريين كانوا موجودين من سنة 67، مايعرفوش إحنا سنة كان ولا وصلنا لفين، كانوا شغالين في بطن الجبل بيشيلوا اشولة سمسم ودرة، أول لما شافونا مبقوش مصدقين نفسهم، وفضلوا يسألونا بلهفة إحنا سنة كام يا دفعة".


ما بين لحظات البداية، ولحظات النهاية، يبقى الوقت في المنتصف مشوشا للغاية، يقول: "كانوا بيعاملونا على إننا كوماندوز، قوات خاصة، وكانوا عاوزين يستفيدوا مننا في عمليات المبادلة، فاكر يوم التسليم وانا راجع، كان شعري طول كأني بنت، حلقولي زيرو، ولبسونا بيجاما بيضا منقطة بأحمر، وسلموني لوحدي، وعرفت إن في 5 كمان رجعوا، روحنا 30 رجعنا 6".


رغم نسيان الكثير من التفاصيل لكنه لا ينسى قائد وحدته اللواء أحمد بدوي، البطل الراحل، كيف بدأ المهم بخوف كبير على رجاله الذين كان يعتبرهم أولاده.


يبرر عادل حالة النسيان الشديدة بتلك الحقنة التي تم غرسها في سلسلة ظهره قبيل التسليم: "إدوهالي قبل التسليم بيوم، رجعت مش فاكر أي حاجة، رجعت سنة 75، استلموني اللواء واصل، واللواء عادل، واللواء شاهين، حضنوني وبكوا لما شافوني، وبدأت الأسئلة، اسمك إيه؟ ساكن فين؟ متجوز ولا لأ، وكانت إجابتي واحدة على كل الأسئلة: معرفش، مكنتش فاكر أي حاجة من اللي حصلت هناك، ولا عن نفسي، عرفوني من رقمي في الفيبرة اللي كانت في الآيش".


علم عادل لاحقًا أنه عاد نتيجة جهود من منظمة الأمم المتحدة لمبادلة الأسرى بين مصر وإسرائيل،  كانت حالته الصحية سيئة للغاية، لذا بقي في مستشفى ثكنات المعادي لأربعة أشهر، حيث بدأت ذاكرته في تسجيل الأحداث من جديد، لذا يذكر: "كانوا بيقدمولنا تفاح أمريكاني في الفطار، والغدا، والعشا تفاح أمريكاني، قعدونا في الحجر الصحي أسبوع عشان يطهروا جسمنا، وقدمولنا رعاية واهتمام كبير، لكن مكنتش قادر أوصف عنواني، مكنتش فاكره".


الكثير من الزيارات لفنانين وشخصيات مشهورة، هدايا ومحبة كبرى: "كنت حاسس إني أعرفهم لكن مش قادر أفتكر أساميهم، ومع الوقت بدأت أستعيد ذاكرتي ببطئ، قولت لهم أنا لو روحت ميدان رمسيس هاعرف أروح".


يعترف عادل أنه كان عاجزًا عن التصديق أنه عاد إلى مصر، كانت الطريقة الوحيدة ليستوعب الأمر أن يرى ميدان رمسيس، يقول: "كنت أخد العجلة، واخد اللي بحبها ونروح ميدان رمسيس، ونلف والمية بتاعة النافورة تيجي علينا وكان لينا ذكريات".


اصطحبته اثنتان من الممرضات بالفعل إلى هناك، كي تقوما بتسليمه لأهليته: "لما روحت ميدان رمسيس خدت نفس عميق كده وقولت انا كده بقيت في مصر، وقولتلهم تروماي 4 بيروح بيتنا، ركبوني فيه، والناس وسعتلي عشان أقعد، وفضلت أبص يمين وشمال أحاول أفتكر أنا فين، لحد لما التروماي دخل على السيدة زينب، وكانت أول حاجة شوفتها هي السينما الأهلي، اللي كنت بدخلها، هنا عرفت إني في منطقتي، وبدأت ابص شمالي عند بركة الفيل شوفت سينما إيزيس، كان إعلانها على خشب، عرفت منطقتي من السينمات، فقولتلهم إحنا كده قربنا، واتأكدت لما شوفت مصنع رشيد بتاع الحلاوة، انا كنت ساكن ورا المصنع، في درب أبو لحاف عند الحنفي".


مزيد من السينمات راحت تظهر، له فبدأ يستعيد ذاكرته قبل الأسر أكثر: "التروماي لف، ببص لاقيت سيما الشرق، وعمر أفندي، نزلنا عند مدرسة السنية بتاعة البنات قدام عمر افندي، وقبل ما أوصل لاقيت تلاتة داخلين عليا، شوفتهم من بعيد بيقربوا لكن مكانوش ماشيين عادي، كانوا بيجروا عليا وهم مش مصدقين وانا وسط الممرضات".

الصدمة الكبرى.. هكذا انتهت علاقة عادل بالسينمات


حمله صديقه "قوطة" على كتفيه، وراح يركض به نحو منزله: "كنت خاسس، وعامل زي الورقة، كل اللي فاكره إن الممرضات فضلوا يصغروا لحد لما اختفوا، وصاحبي يجري والناس تجري معانا، من قهوة سيد بكر، والقهوة التانية في منطقتي، الناس كلها في الناصرية كانوا عارفيني لأن اختي كانت متجوزة فتوة الناصرية متولي الصاوي".


لا يعلم عادل حتى الآن، كيف نصبت السرادقات من بداية درب أبو لحاف لنهايتها: "أقسم بالله وصلت لاقيت كل شيء منصوب، الدنيا كانت كلها بترقص، اللي تجري تدبح دكر بط، وتقول لأمي خدي يا أم البطل، واللي يجيب زيارة، والشوارع اتسدت و كانت ليلة، كنت بتفرج على المناظر وانا مش مستوعب، احتفالات ماشوفتهاش بعد كده حتى يوم فرحي".


تم اخلاء العربخانة، ونصب مسرح، وجلبوا مايك ومسجل، وطلبوا منه أن يحكي ما جرى معه، لكنه لم يكن يستوعب أي شيء بعد: "مكنتش بتكلم، كنت منبهر، ومن الصدمة، قولتلهم طلعوني لأبويا، والبيت كان ضيق أوي، لما وصلت أبويا قال كله يخرج، وفعلا نزل الناس كلها وقالي اقلع يلا ملط، استغربته، لكن هو كان عاوز يشوف جسمي سليم ولا اتعذبت، كان عاوز يفهم حصل فيا إيه مادام مش عارف أتكلم، بعدها خدني في حضنه وقالي نفسك في إيه، قولتله أنا عاوز دلوقتي طعمية محشية وحتة جبنة قديمة لأني جعان، كان في دماغي إني لو أكلت الأكل ده بالذات وأنا قاعد وسطهم هاصدق إنه مش حلم، وإنه حقيقي، وفعلا أكلت واطمنت، وبدأت أسأل عنها، قولتلهم:  فلانة فين؟ وهنا بقى بدأت الحكاية، لأن كله سكت".

ظل يطلبها بإصرار، كان يرغب في عقد قرانه عليها لحظتها: "كان نفسي أبوسها في اللحظة دي، وجات فعلا وحطيت ايدي على كتفها وحسيت إن الدنيا مش سايعاني لكن هي كانت متغيرة".


كان هناك مفاجأة غير سارة بانتظار عادل إمام، حيث تزوجت "زبيدة ثروت" أحلامه من صديقه المقرب، عقب إعلان استشهاده.


يقول: "كان كتب كتاب بس مكانتش دخلة، وصاحبي لما لاقاني راجع راح عند المأذون وطلقها وقتي، وجابولي المأذون لما قالهم ماينفعش يديهم ورقتها إلا بعد أيام عشان أصدق إنه طلقها، لكن مكنتش شايف غير الغويشتين والدبلة اللي في ايدها، ولاقيت الدنيا اسودت في عينيا، وهي كمان كانت مبلمة مش زي الأول، صاحبي يقولي والله طلقتها واسمع بودانك من المأذون، وأمها تقولي ده عقد بس، لكن أنا عقلي كان بيفكر في جملة واحدة، إزاي تتجوزي بالسرعة دي وتسيبي عادل، إزاي هنت عليكي بالسهولة دي".


يذكر كيف صرخ في ذلك اليوم أنه لن يبيت ليلته في السيدة زينب، وأنه لن يبقى فيها لحظة واحدة: "إحنا كلنا من أصل السيدة زينب، إحنا الحرافيش، أبويا يقولي يا ابني هاتبهدلنا فين هاتودينا فين، وأنا أقول مستحيل أعيش هنا تاني أبدا، وفعلا اتصل بأخته في حدايق القبة في القصيرين، قالها الحقي الواد المجنون ابني بيقول مش هابات في السيدة زينب قالتله بسيطة هاطلع لبنتي فوق وافضيلكم الشقة في اول دور وهات ابنك وتعالى هاديكم الشقة، اللي حصل خلاني أمشي وعمري ما رجعت مرة تانية من 76 ولحد النهاردة".

 لم ينقطع عادل عن السيدة زينب وحدها، لكنه انقطع أيضًا عن أكثر الأشياء التي كان مولعًا بها، وهي دخول السينما: "اتجوزت من سيدة فاضلة، وعاش لي بنتين وولدين، وعندي حاليًا 12 حفيد وحفيدة بنتجمع مع بعض يوم الإجازة، ربنا أكرمني بزوجة طيبة وأولاد، ربيتهم كويس زي مانا اتربيت، وربنا طرح فيهم البركة، لكن من ساعة ما جيت من الحرب مابقاش فيه الكلام ده، أنا والحجة قاعدين، وبنستقبل أولادي كل يوم جمعة من بداية اليوم لنهايته والحمدلله على كده".

تم نسخ الرابط